أحمد ابراهيم الطاهر :بعض ملامح الحوار المجتمعي

مبادرة الرئيس للحوار المجتمعي تتطلب من الكافة المشاركة في دفعها ، وعلي الخصوص ينبغي أن ينبري لها أهل الحجي والرأي والنظر ، لما لها من فوائد لا يمكن حصرها لصالح الأمة. وكل فكرة صائبة هي صدقة جارية ، وبقدر أفكار المساهمين تكون صدقاتهم لأمتهم.ولعل هذه المساهمة المتواضعة المزجاة تحفز أهل الاختصاص والخصائص الي الإدلاء بدلائهم في الحوار المجتمعي ،فتعم الفائدة من علمهم. إن لكل أمة من الأمم خصائصها ومقوماتها المميزة ، وقد يخفي هذا التميز رغم وجوده في ممارسات الأفراد والجماعات ، لسبب بسيط ، هو أن الأمة أحيانا ، وفي غفلاتها ، لا تنشط في إبراز خصائصها من خلال آدابها وإبداعاتها الثقافية وحواراتها المجتمعية ، وقد يزداد بهاء المظهر العام للأمة بازدياد نشاطها في الثقافة والأدب والفن وفي مساهمتها في تقدم المجتمعات الحضرية. والنهضة الحضرية تأتي بلا ريب نتيجة لنهضة مبدعة في مجال العلم والثقافة والأدب والفن . ربما صار من الضرورة بمكان أن تشرع قطاعات المجتمع في سلسلة من المناقشات الجدلية في داخلها وفيما بينها ، مدفوعة بالرغبة الجامحة لإبراز خصائصها من خلال الحوار. فهنالك كثير من القضايا التي تنتظر جلاء الرؤية المجتمعية ، وانعكاس هذه الرؤية علي مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي . والمجتمع يتمتع دائما بالثراء المعرفي المتنوع ، والدليل علي ذلك أن هذا المجتمع يخرج من رحمه العظماء والقادة والعلماء والأفذاذ والمصلحون والمبدعون في شتي ضروب المعارف بلا انقطاع. فأهل الزراعة وخبراؤهم مجتمع،قائم بنفسه له إسهاماته الثقافية في ترقية الأداء الاقتصادي من خلال التفنن في جودة الإنتاج الزراعي . وأهل الصناعة والتجارة كذلك ، وأهل الثقافة والآداب والفنون مجتمع بديع في ترقية الذوق المجتمعي .وساكنو البوادي بأنعامهم مجتمع متميز منسي، والأساتذة والمعلمون والباحثون مجتمع والشباب مجتمع والنساء كذلك والمهنيون والعمال والحرفيون وأصحاب المكاسب ، وأصحاب المدارس الفقهية والرؤي الأصولية والاتجاهات الصوفية والمعارف الإنسانية ، والنظاميون الامنيون ،والأهليون ، والولائيون والحضريون والإعلاميون .. هذه وغيرها مجتمعات لها قضاياها الداخلية وهمومها واهتماماتها ، ولكنها أيضاً مجتمعات متداخلة بصور معقدة ، ووراء تداخلها كنوز من المعارف والخصائص والعادات والتجارب.وتداخلها يحتم عليها أن تلجأ للحوار فيما بينها لمزيد من وضوح الرؤي في قضاياها الوطنية و المصلحية والمصيرية . ومجموعهم تتكون منه الأمة الواحدة المتحدة المتفردة المميزة بخصائصها علي الآخرين. لماذا إذن الحوار وما هي أهدافه ومراميه وغاياته ، وأين مآلاته ومستقره ، هذا بعض ما نتساءل عنه وتنشد الإجابة عليه ، إذ نحن أمة حديثة التكوين نشأت من تمازج فريد بين سلالات متعددة ، بعضها أتي من نزوحات شتي لتندمج في سلالات محلية متنوعة وشكلت في مجملها مجتمع السودان المعاصر بقبائله ومكوناته ، وبإرثه وثقافته الاسلامية ولسانه العربي وأعرافه المختلفة وعاداته الموروثة ، ولهجاته المحلية ،وهذه المكونات ظلت عنصر وحدة ومودة وتواصل وتمازج في بلدنا قبل أن يحتله المستعمر محاولا إعادة صياغته بالسياسة الاستعمارية الغربية المدمرة ، ثم يستأنف مسيرته في العمارة والنماء والترقي بعد خروج المستعمر. لقد أتي انفصال الجنوب وما نتج عنه من أثر سياسي وثقافي ومجتمعي ليضيف بندا في ضرورة الحوار الوطني ،علي المستوي السياسي والاجتماعي. وجاءت طلائع التحولات الناتجة عن زيادة الجرعات التعليمية والعلاقات الاقتصادية والتواصل الخارجي الهائل والتأثير الإعلامي العالمي لتلقي بدلوها في استدعاء الحوار المجتمعي. فإذا أضيف الي ذلك بروز تحديات جسام ومخاطر محدقة ومهددآت اقليمية متنامية ، وضح وجوب الحوار العميق المتجرد بين أبناء الوطن ، مساهمة منه في تحديد الرؤي المستقبلية. ومع الإقرار بضرورة التقاء السياسيين للتفاهم والتقارب فإنه من الخطأ أن نكتفي بالحوار السياسي وحده ونستغني به عن الحوار المجتمعي، إو العكس، فلكل منهما خصائصه ومقوماته ، بل من المحتوم أن تندمج الرؤي في كليهما لتجري في نهر واحد هو نهر المصلحة الوطنية. غير أن الحوار السياسي يتفرد بدوافعه الحادة وخصوماته المحمومة وتنافسه حول هدف واحد هو الوصول الي السلطة ، مما يجعله مقصورا علي أهل هذا الاهتمام دون غيرهم ، ويغيب عنه في الغالب أهل الزهد في السلطة وربما كثير من أهل الإبداع والتميز وأهل التفوق العلمي والثقافي والفني ، ويزهد فيه من يري أن السياسة شر مستطير لما يرونه من انعتاق بعضهم عن القيود الاخلاقية والسلوك غير القويم . ومن هنا يتحاور السياسيون ولا يكادون يصلون الي رأي جامع وفكرة مشتركة ، لما بينهم من دوافع الهوي والشح والطمع. بينما تكون ميادين الحوار المجتمعي بعيدة عن جو المشاحنة والمنافسة وأقرب الي جو المناظرة والمشاورة والتماس الرأي الجامع والتوافق المرضي للجميع. وقد تتمثل مرامي الحوار المجتمعي وأهدافه في المحاور الآتية: أولا ، النظر في القضايا المجتمعية الداخلية المصلحية في كل وحدة مجتمعية وإثارة المشكلات المزمنة والمؤقتة . والتماس الحلول العملية لها والاتفاق علي الأسبقيات في علاجها. وهذه قضايا يستحيل علاجها بالكامل من خارج إطار مجتمعها العليم بمداخلها ومخارجها.ثانيا ، الحوار الثنائي والمتعدد بين الوحدات المجتمعية ذات القضايا والهموم المشتركة بغية مواجهتها بروح ا. ا. الفريق الواحد والحل المشترك والتنسيق المطلوب والتعاون المبرور. فأهل الصناعة لهم هموم مشتركة مع أهل الزراعة ، ومع أصحاب التجارة والمال . والباحثون يغذونهم بنتائج البحوث المختلفة ، وهكذا. ومخرجات هذا الحوار تنتهي الي رفع الهمة وحب العمل وادارة الوقت وجودة الأداء والترقي في الإتقان وازدياد القدرات وتنوعها الخ،ثالثا ،. الحوار في القضايا العامة والمصيرية والتي تتطلب إجماعا ومناصرة وطنية وجهودا قومية خدمة لأهداف الأمة الكبري في النهوض والسيادة والتمكن والسلام والاستقرار والبناء والمدافعة. وهي الخصائص التي تشير الي التفرد والتميز والظهور والتناصر. رابعا ، الحوار حول الحقوق الإنسانية والقومية للأفراد في المجتمع والمتعلقة بالحرية والعدل والتكافل والمساواة أمام القانون ، والضمانات الدستورية لهذه الحقوق ، والحدود التي لا ينبغي تجاوزها في الممارسة السلطوية والمجتمعية. خامسا ، الحوار الثقاًفي والمعرفي الجامع لكيان الأمة والذي يشكل قاعدتها الحضرية التي بها تعتز وتفخر وإليها تدعو وعنها تدافع وبها تعرف وتتميز. وفي هذه الركيزة تتشكل قناعات المجتمع العقدية والفكرية والثقافية وتبرز رسالته في الحياة وجدوي وجوده في أرض معطاءة كأرض بلاد السودان وضرورة المحافظة عليها والوحدة المجتمعية بداخلها والدفاع عنها بالنفس والنفيس .سادسا ، الحوار المفضي الي استجلاء القيم المجتمعية التي بها يتحصن المجتمع من عوامل التحلل والتمزق والفرقة والصراع، وهي قيم الأخوة والمحبة والإيثار والتكافل ورعاية الضعفاء وإغاثة الملهوفين وإشاعة روح السلام الاجتماعي والصلح القبلي والتواصل والتزاوج والتكامل وإزالة الفوارق أو تضييقها بين فئات المجتمع. إن مجتمعا كهذا لا يمكن اختراقه أو تمزيقه بعوامل خارجية مهما استفحلت وعظمت. الخلاصة أننا ينبغي أن نشرع في إدارة الحوار التعدد ونصبر عليه ،فربما يفضي هذا الحوار الي نوع راق من الشراكة المجتمعية ، أشبه ما تكون بالتحالف القومي المستعلي علي النظم السياسية ويشكل في نهاية الأمر الركائز الدستورية للأمة والتي تحمل في صدور أفراد المجتمع وقد لا تحتاج الي تحريرها في نصوص مكتوبة ، ولكنها تكون غلابة في مواجهة الأزمات التي تعتري البلاد أحيانا. إن من فوائد الحوار المجتمعي أنه لا يرتبط بجداول زمنية مقيدة أو بشروط محددة أو بمواقف سياسية آنية وإنما هو نهج مستمر تغذيه المعارف الإنسانية والإبداعآت الفردية والاجتهادات الجماعية و لا يتوقف ولا يتقيد ولا ينتهي إذ إن الجدال فيه يتجدد بقدر ما أحدث الناس من قضايا، وهكذا يسير مع الأمة في مسيرها نهجا للإصلاح والتقويم ، كلما نشأ جيل أضاف مساهمته في الفكر والرأي والنصح والتوافق الي مساهمات سابقيه فتتجدد طاقات الأمة بتجدد أجيالها ولا يعتريها الوهن والشتات والاختلاف.

Comments are closed.