البلاستيك ..الـــشر المسـتطير هل يمكن درؤه ؟

لا يخلو منزل او مقر من هذا القاتل الخفي الذي يسمى بالبلاستيك إذ يتسرب إلي أجسامنا من كل حدب وصوب ويبرز إلينا في مأكلنا ومشربنا وأنفاسنا ليصبح باقيا من حولنا ومن أسفل منا ، وأصبح الفرد يتعامل معه دون ان يدرى او يدرى .
وفي عصرنا هذا يعد البلاستيك أخطر منتج بشري اكتشفه الإنسان وطوره حتى أصبح شرا مستطيرا على الإنسان والبيئة وأصبحت المادة الصناعية الرئيسية، وصار كل ما حولنا لا يخلو من المواد البلاستيكية، لكن معظم المواد البلاستيكية، ومنها الأكياس التي انتشر استعمالها بصورة هائلة، لا تتآكل ولا تتحلل بيولوجياً وتبقى في البيئة لفترات طويلة دون أن تتعرض للتحلل إلا بنسبة بسيطة جداً، مما يتسبب في مخاطر صحية وبيئية كبيرة. والمادة البلاستيكية العادية التي تحتوي على مادة البولي إثيلين وهي إحدى البوليمرات وهو عبارة عن سلسلة طويلة من ذرات الكربون والهيدروجين تحتاج إلى مئات السنين لتفكيك هذه الروابط طبيعيا.
وقد ثبت أن الاستعمال المتزايد للأكياس ‏المصنوعة من البلاستيك والتخلص منها في ‏‏القمامة العادية ثم حرقها، ينتج عنه تصاعد العديد من المركبات الكيماوية السامة صعبة التحلل، وأخطرها ‏مادة الديوكسين المحرمة دولياً، كما كشفت الدراسات وجود علاقة قوية بين حرق أكياس البلاستيك، والإصابة بالسرطانات المختلفة والعديد من أمراض الجهاز التنفسي.
وتقدر الإحصائيات الدولية بأن ما يعادل 500 مليون من أكياس البلاستيك يتم استخدامها سنوياً بكافة دول العالم ، ويستخدم المتسوقون على مستوى العالم عشرات المليارات من الأكياس البلاستيكية سنوياً.ويقول المعنيون بشؤون البيئة أن تصنيع “النايلون” لأول مرة، وهو الاسم التجاري لبوليمر البلاستيك الذي يستخدم لصناعة منتجات كثيرة، بدأ في عام 1937م وأدى اختراعه إلى ثورة في مجال التغليف, الذي كان يعتمد على الورق فقط. ومن أهم مميزات النايلون رخص تكلفته, وبقاؤه لفترات طويلة, فضلاً عن ليونته وإمكانات تصنيعه وتشكيله المتنوعة، وبمرور الوقت، حل البلاستيك محل النايلون في صناعة الأكياس ووسائل التغليف، وأصبح مصطلح أكياس النايلون يطلق على أكياس البلاستيك.
ومادة البلاستيك يتم صنعها من خلال عمليات متعددة أساسها النفط الذي يعتبر المادة الأولية في صناعة اللدائن كما يمكن إنتاجها باستخدام الغاز الطبيعي والفحم كمادة أولية ويشكل البلاستيك ما نسبته 4 في المائة من منتجات النفط.
وتستخدم المواد البلاستيكية في معظم مجالات الحياة، في الأغذية والأدوية والمستشفيات والأبنية ومجالات أخرى، وفي كل مجال لها تأثير ما على الصحة. فالمواد التي تستعمل لتغليف الأغذية تضر بالصحة، بسبب تسرب مواد سامة منها إلى الأغذية، والمواد المستعملة في المستشفيات مثل، أكياس البلاستيك والأنابيب والحقن تضر هي أيضاً، وكذلك المواد المستعملة في الأبنية. ومن الواضح أن البلاستيك موجود في كل مكان وفي كل مجال، لذلك فإن تأثيره كبير على الصحة .
وفى السودان وجدت قضية أكياس البلاستيك اهتماما كبيرا ونظمت حولها الندوات وورش العمل والدراسات كما اتخذت إجراءات بل ان بعض الولايات أصدرت قرارات بمنع استعمالها مثل ولايتي القضارف والخرطوم إلا ان هذه القرارات لم تجد لها طريقا فى الواقع المعاش ويبدو ان متخذي القرار لم يتوصلوا بعد إلى قرار ملزم ومرض للأطراف المعنية بالقرار وهى المصانع ومسئولي الصحة والبيئة وحماية المستهلك والمواطن وهو المتضرر الأساسي من هذه الإشكالية ولا يدرى احد متى وكيف يمكن حلها. كما لا يحس المواطن بأثر المصانع الخاصة القائمة لتدوير النفايات وعما إذا كانت أكياس البلاستيك وهى أكثر المنتجات المضرة والمنتشرة على طول البلاد وعرضها خاضعة لعمليات التدوير.
و أعلن المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية وفقا لدراسات وبحوث أعدها مؤخرا أن حجم النفايات البلاستيكية فى البلاد قد بلغ سبعمائة الف طن سنويا . وأكد مدير التخطيط والبحوث بالمجلس فى المنتدى الذي نظمته جمعية حماية المستهلك السودانية حول الصناعات البيئية ( صناعات البلاستيك نموذجا ) أن مائتين وثمانين ألف طن من هذه النفايات أكياس بلاستيك مضيفا أنه يتم حرق 50% منها مما يؤدى إلى تلوث البيئة بالغازات السامة وتدهور التربة الزراعية فى حالة دفن وطمر هذه النفايات ،مبينا أن البلاستيك العادي يتحلل بعد حوالي 300سنة والبلاستيك الحيوي يتحلل خلال عام فقط داعيا لاستخدام البلاستيك الحيوي بتعديل خطوط الإنتاج فى المصانع لإنتاجه مشيرا الى أن أكياس البلاستيك ليست لها أية علاقة بالأمراض المستوطنة مرجعا سبب الأمراض للمواد المضافة لأكياس البلاستيك كالصباغ والالوان وغيرها .
وأوضح الخبير البيئي الدولي البروفيسور عيسى محمد عبد اللطيف في المحاضرة التي نظمها معهد الكوارث واللاجئين بجامعة أفريقيا العالمية مؤخرا أن للمواد البلاستيكية تأثيرات كثيرة جداً على البيئة فخلال تصنيع البلاستيك تنطلق مواد من المصانع تضر بالبيئية والإنسان والحيوان ـ وقد دلٌت على ذلك أبحاث عديدة أجريت على السكان الذين يقطنون أو يتواجدون قرب مصانع البلاستيك والبيئية المحيطة بها ،
وأبان الخبير عيسى أن حرق البلاستيك للتخلص منه يطلق وفي حالة حرقها في أماكن تجميعها سوف تنطلق منها أكسيد الكلور والكربون ومركبات غازية أخرى وأحماض ومركبات سامة عديدة ضارة ، وذكر أن بعض أنواع البلاستيك لا يمكن إعادة تصنيعه، مثل الورق والزجاج مواد أخرى. والطريقة الوحيدة المستعملة اليوم للتخلص منه هي الحرق، وهذه الطريقة تضر كثيراً بالبيئة وتسبب مشاكل صحية كثيرة.
وأوضح تشكل أكياس البلاستيك طبقة عازلة تفصل التربة وتحجز مياه الأمطار في الجزء العلوي من التربة وتمنع من وصول المياه والمخصبات اللازمة إلى الجزء السفلي من التربة ،و تؤدي إلى بيئة خصبة للطفيليات الممرضة نظراً لقدرتها على الطفو فوق سطح الماء لمدة طويلة.
كما أن تواجدها وانتشارها في المناطق الساحلية يشكل خطراً على البيئة البحرية والكائنات البحرية.
وقال إن الآثار السالبة للبلاستيك تكمن في خفة وزنها إضافة إلى الاستهلاك الزائد وبقائها في البيئة لسنوات دون تحلل يجعل منها أهم عامل في تلويث المساحات المفتوحة والميادين العامة والشوارع الرئيسة داخل وخارج المدن وعلى شاطئ البحر وداخل مياهه، بجانب أن سهولة تطايرها في الهواء وانتشارها في مساحات شاسعة يُشكل عائقاً في القدرة على تجميعها والتخلص منها إضافة إلى تشويه المظهر العام للأماكن التي يتواجد بها كما أن التصاقها بالأشجار والنباتات والمساحات واسوار المنازل بالاسلاك الحاجزة يؤدي تشوهات بجانب حجب الضوء عن بعض أجزاء النباتات مسببة في عدم استكمال عملية التمثيل الضوئي. وتقوم المواشي والأبقار بأكل أكياس البلاستيك التي تصادفها أثناء الرعي .وأوصي الخبير بإعادة تدوير وتصنيع البلاستيك والسعي الى استخدام المواد البلاستيكية الصديقة للبيئة والسهلة التحلل .
وأكد الدكتور محمد صفدي الباحث والخبير بعلم التغذية ومدير مركز التعليم والتعلم في الكلية الأكاديمية العربية للتربية-حيفا والمحاضر أن العديد من الأبحاث دلت على أن المواد البلاستيكية تسبب العديد من المشاكل الصحية التي كنا نجهل سببها. وقد أثبتت الأبحاث أن هذه المواد مسئولة عن ازدياد مشاكل صحية عديدة نلاحظها كثيراً في هذا العصر، مثل السرطان والعقم والخلل في التوازن الهرموني في الجسم، مما يؤدي إلى مشاكل عديدة، والخلل في تطور الجهاز العصبي، مما يؤدي إلى مشاكل عصبية كثيرة، والسكري والمشاكل المتعلقة به، والخلل في القدرات العقلية، والنزيف من الأوعية الدموية الدماغية وضعف المناعة ومشاكل عديدة وخطيرة أخرى.
وأثبتت آخر اكتشافات مسببات مرض السرطان من مستشفى جون هوبكنز في الولايات المتحدة احتواء مادة البلاستيك على عنصر الديوكسين وهي المادة الكيميائية التي تسبب مرض السرطان ،خاصة سرطان الثدي و هي ماده تسمم خلايا الجسم بشكل خطير ،و قام الدكتور ادوارد فوجيموتو من مستشفى كاسل بعمل مقابله تلفزيونية قام فيها بشرح هذه المخاطر الصحية ،وقال الدكتور ادوارد أننا يجب أن لا نقوم بتسخين الأكل في الميكروويف باستخدام أواني بلاستيكية وخاصة الطعام الذي يحتوي على الدهون‎ قال إن وجود الدهن تحت درجة حرارة عاليه يحرر الديوكسين من البلاستيك ليختلط مع الطعام ويتجه في النهاية إلى خلايا الجسم عوضا عن ذلك أوصى باستعمال أواني زجاجيه كالبايركس أو أواني من السيراميك لتسخين الطعام.
وذكر الدكتور بأنه قبل وقت قصير قامت بعض مطاعم الوجبات السريعة بالتخلي عن الحاويات الرغوية أو المصنوعة من الفلين واستبدلوها بالورق وكان أحد أسباب هذا التخلي هو الديوكسين كما أشار إلى أن اللفائف البلاستيكية (الشفاف النايلون لتغطية الأواني أو للف الطعام ) مثل الساران تكون خطره فقط إذا تم تغطية الطعام أو لفه بها ثم طهي الطعام بالمايكروويف لأن الحرارة ستذيب السموم الموجودة بالبلاستيك وبالتالي تختلط هذه السموم مع الطعام المكشوف من الأفضل تغطية الطعام بالورق بدلا عن البلاستيك .
وسعت العديد من المنظمات في العالم، منها منظمة Greenpeace التي تعني بحماية البيئة، ومنظمات حماية المستهلك في أوروبا والولايات المتحدة، كما تقوم عدة منظمات بممارسة الضغوط على الكونجرس الأمريكي لسن قوانين تحدد إستعمال الـ pvc. وقامت بعض الدول الأوروبية بسن قوانين للتقليل من إستعمال الـ pvc. إلا أن صناعة الـ pvc مستمرة وتأخذ بالإزدياد، لذا علينا أن نعي أخطار ذلك ونتجنبها وكل ما يمكننا فعله هو الحذر والتحذير.
وتتفاوت خطورة البلاستيك من نوع إلى آخر، أما أخطر أنواعه فهو ألـpvc (polyvinyl chloride ) المعروف باسم (vinyl)، فهذا أكثر أنواع البلاستيك خطراً على الصحة، إذ أثبتت أبحاث عديدة أنه أدى ويؤدي إلى مشاكل صحية عديدة بما فيها السرطانات المختلفة وتلف جهاز المناعة والخلل في الجهاز الهورموني. هذا النوع من البلاستيك يطلق مواد سامة عديدة ومتنوعة تعرف بالمركبات الكلورينية، وهي تتسرب إلى المياه والهواء والغذاء، لذلك يكاد لا يخلو جسم منها. ألـ pvc موجود بكثرة حولنا في أغلفة الأغذية المختلفة وأثاث البيوت ولعب الأطفال وقطع السيارات ومواد البناء ومعدات المستشفيات وفي مئات المنتجات الأخرى. ،صناعة الـ pvc تحتاج إلى كلور وهي من أكثر الصناعات إستهلاكاً له، والكلور مسؤول عن مشاكل تسمم عديدة. فمادة الـ CFC التي تحتوي على الكلور مسؤولة عن تلف طبقة الأوزون التي منحنا الله إياها لتحمينا من الأشعة فوق البنفسجية (uv) الموجودة في أشعة الشمس، والتي تسبب سرطانات الجلد ومشاكل أخرى. تلف هذه الطبقة يسمح بوصول كميات كبيرة من هذه الأشعة ممٌا يؤدي إلى مشاكل كبيرة جداً، وينتج عن تلف هذه الطبقة مواد عديدة أهمها مادة الـ CFC. وهناك مئات المواد السامة الكلورينية التي تطلق يومياً إلى الهواء والماء والغذاء، وتدعى هذه المواد السامة بشكل عام مواد عضوية الكلورينية (organochlorines) والكثير منها مقاوم للتحلل، ولذلك يبقى في البيئة إلى عصور عديدة.
وطالما أنه لا توجد قوانين تمنع استعمالاته، فالطريقة الوحيدة لتفادي الأخطار هي التمشي مع النصائح المذكورة ، يمكنك الاستعاضة عن الأكياس البلاستيكية أو أكياس النايلون أثناء تسوقك بحقيبة التسوق الخاصة بك.
– عدم شراء المواد الغذائية وخصوصاً الساخنة منها في أكياس النايلون واحمل معك وعاءك الخاص.
– الحرص على شراء واستخدام أوعية الماء الزجاجية بدلاً من البلاستيكية.
– في حال شرائك قنينة الماء البلاستيكية لا تقم بإعادة تعبئتها أو تجميدها في الفريزر.
وعلاج مشكلة الأكياس البلاستيكية يتطلب تضافر الجهود من جانب الجهات المعنية، من سلطات حكومية ومنتجين ومستهلكين، من أجل تقليل استعمال البلاستيك وتقليص إنتاجها والاهتمام بإعادة تدوير نفايات البلاستيك من أكياس وخلافه بما يوفر المواد الخام ويقلل من بقاء الأكياس المهملة في الطبيعة أو في مواقع جمع النفايات. كما يمكن فرض ضريبة على تداول الأكياس, بحيث يدفع المستهلك ضريبة عن كل كيس يأخذه من السوبر ماركت أو المتجر الذي يشتري منه بضاعته، وتتحول أموال الضريبة إلى صندوق خاص بعلاج الآثار البيئية والصحية الناجمة عن هذه الأكياس.
وقد طبقت هذه الضريبة بصورة شاملة في بعض الدول مثل ايرلندا، حيث يدفع كل مستهلك 0.15 دولاراً عن كل كيس يستعمله، وهو ما أدى إلى تقليص استعمال أكياس البلاستيك بنسبة 90% بالإضافة إلى توفير نحو عشرة ملايين دولار في صندوق الوقاية من مخاطر الأكياس البلاستيكية. وفي تايوان، تقوم معظم المتاجر بتحصيل دولار تايواني واحد (34 سنتا) مقابل الكيس، وهو ما أدى لانخفاض استخدام هذه الأكياس بنسبة 80%، بعد أن منعت المتاجر ومطاعم الوجبات السريعة والعاملين في مجال صناعة الأغذية والمشروبات تدريجياً من إعطاء أكياس للمستهلكين مجانا. وتفكر دول أخرى مثل جنوب أفريقيا وبريطانيا في فرض نفس الضريبة، ويذكر أن كثيراً من دول أوروبا لا يوجد فيها قانون خاص بأكياس البلاستيك، ويتم معالجة الأمر في إطار المعايير التي تحكم مسؤولية المنتجين عن الأغلفة، والتي أدى تطبيقها بجدية إلى تقليص استعمال الأكياس في بعض الدول، مثل الدنمارك إلى 66%، والنرويج 72%.وفي بعض دول أوروبا والولايات المتحدة يتم إنشاء شبكات تسويق وجمعيات أهلية يهدف نشاطها إلى تقليص استعمال الأكياس البلاستيكية. وفي أستراليا وقعت الحكومة واتحاد تجار التجزئة ميثاقاً لعلاج مشكلة أكياس البلاستيك وتقليص استعمالها وزيادة مصانع إعادة تدويرها. وفي الوقت نفسه استمرت الحكومة في فرض رسوم عالية على تداول هذه الأكياس، مما ترتب عليه تقلص استعمالها بنسبة 45%.
وهناك دول منعت تماماً استخدام أكياس البلاستيك في المحلات في كل أنحاء الدولة أو في عدد من المدن، ومن ذلك مدينتا بومباي ودلهي في الهند، اللتان منعتا أي استعمال لأكياس البلاستيك للحد من التلوث .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.