حسن احمد طه :التحديات الاقتصادية ..البحث عن الطريق (1/2)

صعد فى الاونة الاخيرة وتصاعد اهتمام الناس بالمشهد الاقتصادى وهو فى ذلك معذورون ومحقون ، فامر معاشهم وراهن وضعهم يحتم عليهم الاهتمام من واقع من يعايشيون من ضيق ومشقة ، وليس فى الامر مذمة فتدابير الزمان وصروفه وتقلباته لا تقيم الحال على وضع محدد ، باخطاء او بلا اخطاء فتلك من سنن الحياة وقد لفت نظرى فى السنوات الاخيرة تنامى الاهتمام بمباحث الناس وتداول امورهم بعدة اسئلة من شاكلة لماذا تتراجع قسمة الجنيه السوداني مقابل الدولار؟ ، لماذا تعطي الحكومة السوانية سعراً رسمياً للعملة الوطنية بينما هناك سعر موازٍ له في السوق؟ لماذا نجد عدد من الأسعار للدولار ” السعر الرسمي للدولار, الدولار الجمركي, دولار الصرافات لأغراض السفر والعلاج, دولار لسعر استيراد القمح(مثلا) هذه الأسئلة وغيرها طرحها عدد من الأخوان وكان محور الحديث التضخم المتزايد شهرياً ومخاطبة الإرتفاع الكبير الذي حدث في شهر رمضان, اذ بلغت النسبة الرسمية للتضخم حسب بيانات الجهاز المركزي للإحصاء 45%. عزا بعضهم هذا التضخم لإرتفاع قيمة الدولار مقابل الجنيه.وتسائل آخر لماذا لا توقف الحكومة هذا التدهور في قيمة الجنيه السوداني ولماذا لايكون هناك سعر واحد للجنيه مقابل الدولار؟ ماهو أثر التدهور المستمر في سعر العملة على التضخم وعلى المستهلكين وكذلك المستثمرين؟ وتلك اسئلة تحتاج قطعا لاجابات وان كنت ساجتهد فى جملة اضاءات علها تشير الى فك بعض شفرات ما اعتم علينا وابدا بتعريف سعر والذى يمكن تعريفه بانه
السعر الذي تبادل به العملة عملة أخرى. أما نظام سعر الصرف Exchange Rate Regime فهو الآلية التي تحكم وتحدد سعر الصرف للعملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية الأخرى. ويعتبر واحدة من أدوات السياسة الإقتصادية الهامة التي تلعب دوراً رئيساً في تجارة السلع والخدمات مع العالم الخارجي, وفي التدفقات المالية الخارجية, وفي النمو الإقتصادي والتضخم, ميزان المدفوعات, واستقرار السياسات الإقتصادية الكلية.
ولذلك, فإن إختيار نظام سعر الصرف الخارجي يعتبر مكوناً أساسياً في ادارة الإقتصاد الوطني, ولتحقيق النمو والإستقرار ولجذب الإستثمارات الخارجية.
وبالرغم من الأهمية القصوى لنظام سعر صرف العملة الوطنية الا أن الإقتصاديون لم يتفقوا على نظام صرف مثالي أو مميز يمكن أن يستخدمه أي فرد أو أي دولة في أي مستوى من مستويات النمو.
فلكل دولة وضعها المميز والخاص بها, ولها سماتها وخصائصها ونظمها ومؤسساتها المالية والإقتصادية وخياراتها السياسية التي تبني على ضوئها النظام الذي يناسبها في سعر العملة الوطنية مقابل العملات الأخرى.
غير أن السمات الأساسية التي تحدد خيارات الدولة لإختيار سعر الصرف المناسب يمكن اختصارها في تصنيف الدولة من حيث أنها غنية, صناعية, نامية, أم دولة فقيرة. ثم مدى انفتاح الدولة على الإقتصاد العالمي والتجارة الدولية والأسواق العالمية. الى جانب مستوى التطور في النظم الإقتصادية ومؤسسات التمويل بالاضافة الى هياكل الإقتصاد والإنتاج والتجارة وترابطها مع العالم الخارجي مع عدم نسيان اهمية التطور في القطاع الخاص من حيث مؤسساته ونظمه وكوادره ومستوى الكفاءة في ادارة السياسات الكلية المالية والنقدية وتناسقها وانسجامها مع استقلالية البنك المركزي وكفاءته في ادراة السياسات النقدية والإئتمانية, وقدرته على الرقابة المصرفية الفعالة ثم مستوى النمو الإقتصادي ومستوى التضخم وحجم العجز أو الفائض في ميزان المدفوعات والميزان التجاري.

إن إختيار نظام صرف معين لسعر العملة الوطنية ليس كافياً لوحده وإنما ينبغي تسند حزمة من السياسات الإقتصادية والنقدية والمالية المتناسقة, كما ينبغي أن تكون هناك مؤسسات مالية مؤهلة ومقتدرة وقادرة على إحكام انفاذ حزمة السياسات المالية والنقدية والإقتصادية بكفاءة عالية لتحقيق الإستقرار والنمو الإقتصادي وبالتالي ثبات قيمة العملة الوطنية. وهذا يقودنا مباشرة لاهمية بحث النظم المتعارف عليها في سعر العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية ويمكن فى هذا تقسيم نظام الصرف أو نظم الصرف التي سادت خلال النصف الثاني من القرن العشرين وحتى بداية الألفية الى ثلاثة أقسام رئيسية هي نظام سعر الصرف الثابت ونظام سعر الصرف المرن الى جانب نظام سعر الصرف العائم.
وتضم كل واحدة من هذه الأنظمة الى عدد من الأنظمة نظام سعر الصرف الثابت وينقسم الى نظامين الاول وهو النظام التقليدى الذي ساد بعد الحرب العالمية الثانية, وعند قيام صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير أو ماعرف بمؤسسات برتين وودس Bretton Woods Institutions وتحت ظل هذا النظام حدد الدولار الأمريكي والجنيه الإسترليني كعملتين بسعر ثابت مقابل الذهب. والزمت كل دولة امام صندوق النقد الدولي بأن تحدد عملتها منسوبة الى الجنيه الإسترليني أو الدولار. ومع مرور الزمن تقلص دور الجنيه الإسترليني وتصاعد الدولار الأمريكي, واستمر هذا النظام حتى عام 1971 حيث تخلت الولايات المتحدة عن التزامها بسداد قيمة الدولار بالذهب. وانهار نظام برتين وودس في عام 1973.ورغم انهيار نظام سعر الصرف المحدد والمربوط بقيمة الذهب في عام 1971, الا أن معظم الدول النامية ظلت تحتفظ بقيمة عملاتها ثابتة ومنسوبة الى للدولار أو الجنيه الإسترليني في نهاية السبعينات, ولكن في في نهاية السبعينات بدأت معظم الدول النامية تميل الى سعر الصرف المرن بدلاً من الثابت الذي ساد منذ العام 1940 وحتى العام 1971. ويعزا السبب في هذا التطور لعدة عوامل يمكن تلخيصها في التذبذب العالي في أسعار العملات الرئيسية (الدولار, اليورو, والين) بعد انهيار نظام برتين وودس. وتصاعد التضخم عالمياً عقب الإرتفاع الكبير في أسعار البترول (عقب حرب 1973) وعقب الحرب الإيرانية العراقية الثمانينات من القرن الماضي. ثم سرعة التدفقات النقدية العالمية عقب التوسع النقدي الكبير الذي استخدمته الولايات المتحدة خلال فترة Green Span وتوسع التجارة الدولية ونهاية الإتحاد السوفييتي وقيام WTO. بالاضافة الى تواترت الأزمات العالمية الناتجة من الإرتفاع الكبير في أسعار الفائدة والإنكماش الإقتصادي الذي حدث في الدول الصناعية. ثم اتت أزمة الديون العالمية.
هناك ايضا نظام سعر الصرف الجامد وهو النظام الذي لايسمح بتعديل قيمة العملة الا بإجراءات بالغة التدقيق. وهناك ثلاثة أنظمة تنطوي تحت هذا النظام هي النظام المربوط بالدولار Dollarization حيث تستخدم دولة عملة دولة. وتتوقع في المقابل طباعة العملة الدولارية للدولة الأم. وهناك نظام مجلس العملة Currency Board حيث ترتبط قيمة العملة الوطنية لدولة ما بعملة دولة أخرى مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا بموجب قانون وتلزم الإتفاقية والقانون الدولة المستخدمة للعملة بالإحتفاظ بنسبة محددة قانون من هذه العملة كإحتياطي في البنك المركزي مثل ال Frank Zone. وهناك الاتحاد النقدى حيث تحتفظ مجموعة من الدول بعملة نقدية واحدة. والسياسات النقدية تنظم مركزياً بواسطة الإتحاد النقدي (الإتحاد الأوروبي).
ساتحدث كذلك عن نظام سعر الصرف المرن أو النظام الوسيط وينقسم الى عدد من الأنظمة تشمل سعر الصرف المحرر والمدار ، سعر الصرف المرن والمدار.ثم سعر الصرف الثابت والمحرك بنطاق ضيق وهناك سعر الصرف الثابت والمحرك بنطاق واسع. حيث يعتبر سعر الصرف المحرر المدار أقرب النظم لعوامل العرض والطلب ليتحدد سعر الصرف. نظام المرن والمدار فإن الإفتراض هو أن الدولة تدرك السعر الأقرب لتحقيق التنافسية لسلع الصادر. وبالتالي تحاول الإقتراب من هذا السعر. بينما نجد أن سعر الصرف الصرف الثابت والمحرك بنطاق ضيق هو أقرب للنظام برتين وودس الذي ساد من 1946 الى 1971 وإن اعطى مرونة محددة جداً. بينما الثابت والمحرك بنطاق واسع هو أقرب للسوق المحرر.

بالنسبة لنظام نظام سعر الصرف العائم Floatingيترك سعر الصرف المحرر وفق عوامل السوق (العرض والطلب) بدون أي قيود من البنك المركزي.
أنظمة سعر الصرف يمكن أن تنقسم إلى ثلاثة أنظمة رئيسية وهي: نظام سعر الصرف الثابت, نظام سعر الصرف المرن, ونظام سعر الصرف العائم. مع وجود تقسيمات داخلية في كل واحد من الأنظمة الثلاث مما يجعلها أشبه بألوان الطيف, ولكل واحد من هذه الأنظمة ايجابيات وسلبيات ومميزات تخصه وشروط يجب أن تتم لنجاح أي نظام منها.
فسعر الصرف يمكن أن يكون ثابتاً وجامداً عند حد معين للذهب أو الدولار, كما هو الحال بالنسبة للريال السعودي, والدرهم والدينار وغيرها من عملات دول الخليج. ولكن لتصبح الدولة قادرة على الحفاظ على قيمة العملة ثابتة فلابد من وجود احتياطيات كافية من النقد الأجنبي لتلبي حاجة كل طالب لإستبدال العملة. وهذا مايحقق المصداقية الكاملة لقيمة العملة ويحقق الإستقرار بالنسبة للمستثمرين الأجانب والمحليين. مثل هذه الدول لاتوجد بها أزمات مالية أو صدمات أو انهيار في قيمة العملة الوطنية في مقابل العملات الخارجية.
على الطرف الآخر, يكون نظام تعويم سعر العملة الوطنية في مقابل العملات الأجنبية. وفي مثل هذه الحالة لا تملك الدولة الإحتياطيات الكافية من النقد الأجنبي لتغطية استبدال العملة الوطنية بعملات أجنبية. وفي هذه الحالة فإن البنك المركزي في الدولة المعنية يسمح لعوامل العرض والطلب على النقد الأجنبي تحديد القيمة الحقيقية للعملة الوطنية, وفي هذه الحالة ليس هناك سعر رسمي أو ثابت للعملة, فهو متحرك على مدار الساعة واليوم والشهر والعام. وهذا النظام يسمح بإمتصاص أي صدمات خارجية أو داخلية بصورة تلقائية. فالإنخفاض التلقائي لسعر العملة يؤدي الى ارتفاع كبير في قيمة الواردات من الخارج, ومن الطبيعي أن يؤدي الإرتفاع الكبير في الأسعار للواردات الى انخفاض الطلب الداخلي عليها خاصة اذا تكيز الطلب بالمرونة اللازمة. أما اذا كانت مرونة حقيقية أو كان الطلب غير مرن مثل الطلب على الحاجات الأساسية التي لاغني عنها فإن ارتفاع القيمة لن يؤدي للإنخافض المطلوب في الطلب الكلي للواردات وقد يؤدي الى ارتفاع كبير في الأسعار داخل الدول, هذا يؤدي الى مايعرف بالتضخم المستورد.
من جانب آخر, فإن انخفاض قيمة العملة الوطنية يؤدي لزيادة الطلب على الصادرات للدولة المعنية, مثل ما حدث من زيادات كبيرة للطلب على صادرات الماشية واللحوم السودانية في السنوات الأخيرة.
ان تعويم العملو بصورة كاملة قد يخلق عدم استقرار كبير في السوق نتيجة للتذبذبات التي قد تحدث في قيمة العملة الوطنية في أوقات قصيرة ومتقاربة.
ومابين هذين النظامين لسعر مرن للعملة: أي السعر الثابت أو الجامد للعملة وبين تعويم العملة واخضاعها لعوامل العرض والطلب. يمكن النظام الوسيط وهو سعر الصرف المرن: وهو يشمل طيف من الأنظمة التي تمتد الSoft Peg أو المرن بقيد ضيق جداً وهو الذي يقترب من سعر الصرف الثابت الى نظام الmanaged float والذي يقترب من تعويم العملة. أي أن النظام المرن يمكن أن يقيد حدود Short Band أو قيد واسع Broad Band. يميز هذا النوع من نظام سعر الصرف بشيئ من المرونة التي تمكن البنك المركزي من امتصاص الصدمات الخارجية في سعر العملة وتحقيق نوع من تدرج تخفيض قيمة العملة مما لا يحدث ارباك للإقتصاد أو كساد أو تضخم جامح. ويمكن السياسيين والمستثمرين من قراءة الواقع الإقتصادي في اطار مستقر نسبياً.
ولكن, لتحقيق اداء ايجابي لهذا النوع من النظام فلابد من توفر قدر معقول من احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك لإدارة سعر الصرف بكفاءة معقولة. كما أن آليات التدخل لتعديل سعر الصرف سواءاً استخدمت الShort Band وال Broad Band تواجه تحديات كبيرة. وكثيراً ماتوصف بعدم الشفافية.وفي حالة الدول النامية فإن نظام سعر الصرف المرن المدار يعتبر هو الأفضل…… وقدراتها. ولكنه يحتاج لأن يسند بإحتياطي مقدر من النقد الأجنبي وسياسات ومالية ونقدية متسقة ومشجعة وكفاءة في ادارة السياسات المالية والنقدية, وفي الرقابة المصرفية لتتحقق اهداف النمو والإستقرار للإقتصاد القومي.

Comments are closed.