السودان … فرص العبور الى بر السلامة

مولانا احمد ابراهيم الطاهر يكــــتب :

السودان … فرص العبور الى بر السلامة

  • رياح التغيير تهب الآن ، تزداد قوتها مع مرور الأيام
  • التحدي الأكبر كيفية التعامل الخارجي الساعى لفرض ما يريد بالإكراه
  • ليس متوقعا أن يجد كهول السياسة وشيوخها مكانا لهم في السلطة
  • السودان لن يكون طرفا في أي صراع عربي أو إقليمي
  • الشعب صاحب الكلمة بعد الله في تجديد التفويض لمن يحكم
  • ابناء المنطقتين لجأءوا للحرب مضطرين ولابد من إفساح المجال لهم

سيطالب السودانيون  باختراق الحجب لينظروا في مستقبلهم في السنوات القادمة دون أن تحجبهم مشكلات الحاضر عن الرؤية ، إن النظر في المستقبل بعين الكل يجنب البلاد مزالق النظر القصير واللامبالاة  وسوء التخطيط والندم علي ضياع الوقت في غير ما يفيد.      مع ذلك  فقد يصعب التنبؤ  بما سيكون عليه العالم في غضون الأعوام الخمسة القادمة . ليس ذلك بسبب قلة عوامل التحليل السياسي  فما أكثرها ، ولكن بسبب التسارع المذهل في تسلسل الحوادث المحلية والإقليمية والدولية ، بصورة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. فلعلك لا تذكر حوادث الاسبوع المنصرم بما استجد في هذا الاسبوع .لقد أفرغت العولمة المجتمعات الكونية من خصائص التحكم  الذاتي في مصائرها وجعلتها في كل العالم في مقاعد المتفرجين . لم تعد الدول الآن محصنة بالحدود الجغرافية من الانتهاكات ، ولم تعد السيادة الدولية معترفا بها كما كانت من قبل ، وذابت الأعراف والمفاهيم والنظم الدولية التي كانت تحفظ للعالم أمنه وطمأنينته وحلت مكانها الهيمنة المدفوعة بنوازع القوة ، وهو ما يعرف بقانون الغاب ، الذي تكون الكلمة  فيه للكواسر

الذين استسلموا لهذا الواقع انبهارا أو يأسا أو طمعا في مكاسب الحياة في عالمنا الضعيف الثالث يراهنون علي نهاية التاريخ وسيادة الحضارة الغربية بكل ماديتها وتحللها من الخلق والمثل والدين  ، واستخدامها للوسائل المتطورة  في السيطرة ، وحفاظها علي تفوق البيض  وسيطرتهم علي موارد البشر ومصادر الطاقة . وكثير من هؤلاء المستسلمين في بلادنا وما حولها يعتمد الغرب عليهم مداخل لاختراق الدول  المستضعفة ومساعدته في  إحداث الفتن والسيطرة علي مصائر الشعوب.

ويري آخرون أن المستفيد الأول مما يجري  هم اليهود  فإنهم قد نجحوا في خطتهم لهيمنة إسرائيل علي العالم ، إذ تستطيع إسرائيل اليوم ودون استئذان من أحد من البشر  أن تكمل مشروعها الكبير من النيل إلي الفرات بضربة عسكرية واحدة دون خشية من قوة عسكرية عربية أو إسلامية ، وهي آمنة مطمئنة من أية إدانة  دولية من مجلس الأمن. إن إسرائيل هي اللاعب الرئيس في صناعة الأزمات الإقليمية والاستفادة منها في تحقيق أمن إسرائيل.

وفي العالم العربي ، الذي انهارت نظمه السياسية تباعا وبقيتها الآن في صف الانتظار ،وربما في العالم الأفريقي  أيضاً ، سيزداد تفكيك الدول التي كانت لها بالأمس القريب صولات وبطولات وطبول وحناجر ، نتيجة ما فعله بعض أبنائها الذين صاروا عونا للأجنبي علي بلادهم  ومعولا لهدم بنيانهم . وسيزداد انحسار المنظمات الإقليمية مثل الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الافريقي  وأمثالها  ،والتي نشأت في ظروف لا وجود لها في عالم اليوم ، مثل التضامن العربي بالخلفية القومية العرقية أو التقارب الإسلامي  السياسي  في مواجهة المد الشيوعي أو تحقيق شعار أفريقيا للافريقيين لتشجيع ومساندة حركات التحرر ، للتأثير في السياسة الدولية.  وتراجع بالفعل دور الجيوش المحلية في حسم المهددات القومية إذ انهارت هذه الجيوش أو وقعت في فخ الصراع الداخلي ،وربما نشأ تقارب جديد دوافعه الخضوع للمصالح  الاجنبية أو الذاتية  أو حب البقاء وخوف الغرق بدلا عن الدفاع عن كيان أمة أو الحفاظ علي بقية إرث أو التمسك بمبدأ أمن قومي أو إقليمي.   ستكون النتيجة المرعبة مزيدا من الانهيار الحضري والسياسي والاجتماعي ،ومزيدا من دماء الأبرياء  و من النزوح واللجوء والمجاعة والثكل والشكوي والإدانة  والإحباط.

هذا بالطبع ما سيحدث في العالم الذي ننتمي اليه ،  بما خطط له الآخرون في غياب التخطيط المحلي للمستقبل  ،ما لم تحدث بالطبع   سنن التغيير الكونية  بتغيير البشر لما بأنفسهم  . والذي يهمنا هنا المؤشرات الدافعة  لرياح التغيير ، في بلادنا السودان .

ففي مقابل المشكلات التي تواجهنا في المرحلة القادمة والتي سنتطرق إليها تأتي تطلعاتنا المشروعة في استكمال مشروع  المحافظة علي استقلالنا السياسي والثقافي علي عظم محاولات طمسه ، وإحداث نهضة قومية ركائزها الوحدة والسلام والحرية وهدفها الإعمار  الاقتصادي والاجتماعي ووسائلها الاهتمام الفائق بالإنسان إعداده وتعليمه وتدريبه وحمايته ورعايته. إن بقاء هذا الهدف في أذهاننا علي الدوام يأتي في مقدمة الضرورات إذا أردنا أن يكتب لنا النجاة والنجاح. فبهذه الرؤية في أذهاننا  سيكون في استطاعتنا الاستمرار في العطاء واجتياز العقبات والوصول للهدف.

التحديات الماثلة كما يعلمها الجميع تتلخص في قضايا الأمن  القومي  وتقوية ممسكات الوحدة والتوحيد وإنهاء نزعات التمرد والانفلات والفوضي والصراع القبلي ، وفي إصلاح الأحوال الاقتصادية وفي مكافحة ضراوة الفقر والحاجة وفي  تطوير  نظم العدل والضبط القانوني  والإداري للدولة  ومؤسساتها ونظمها وفي الانتقال من مرحلة المجتمع التقليدي العفوي الي مرحلة تنظيم الحياة العصرية وتطويرها باستمرار ومتابعة. يقتضي ذلك الوصول بالبلاد الي مرحلة من الاستقرار السياسي تزول فيه تشوهات الممارسة وتخليها عن دورها في القيادة الراشدة للأمة. والتحدي هنا أمام السياسيين ،  إن كان في مقدرتهم  ، الحفاظ علي كيان الأمة من التمزق  بديلا  عن المساهمة الفاعلة في تمزيق أمتهم  بما يقدمونه من ترجيح الخلاف علي الوفاق ، وتقديم المصلحة الخاصة علي العامة ،وهنا يأتي التحدي الأكبر في كيفية التعامل الخارجي مع عالم لم يعد معترفا بالنظم الدولية أو الاتفاقات  الكونية أو بأصول التعامل بالندية بين دول العالم ، وإنما يسعي لفرض ما يريد بالإكراه والتطويع  والاختراق للدول والممالك والنظم السياسية.

الفرص المتاحة أمام بلادنا للعبور الي بر السلامة عديدة أيضاً ، فالبلاد زاخرة  بمقومات النهوض  ، مواردها هائلة ومتعددة ومتنوعة كما يعلم الكل ، ولا يوجد بها صراع طبقي ولا إحن عميقة ولا ثارات قومية ولا خلافات مذهبية ولا عصبية طائفية ، ولا فكر فوضوي هدام مؤثر . كما أن أسباب العيش الزهيد متوفرة  بالقدر الذي يحول دون المحاصرة الخارجية وانتاج الأمن الغذائي الذي يحول دون المجاعات الكبري متاح بوفرة الماء والإنتاج التقليدي للأغذية . ويضاف الي ذلك الاستقرار النسبي مع غالب دول الجوار والنهج المتبع من قبل الحكومات المتعاقبة في الحفاظ علي حسن الجوار. ومن الفرص أيضاً أزدياد المعرفة وتطور التعليم وانثيال دفعات التخرج والتأهيل والتخصص في أوساط الشباب وانفتاحهم علي العالم الخارجي والاحتكاك برصفائهم في دول العالم المختلفة .

المرحلة القادمة عمرها خمسة آعوام  وترتيبات التمهيد لها محكومة بنظام دستوري شاركنا فيه جميعا باقرارنا للدستور الانتقالي عام٢٠٠٥ بإجماع وطني فريد شمل الحركة الشعبية وأحزاب التجمع الوطني والأحزاب الوطنية الأخري  وأصدرنا بذات الإجماع  قانون الانتخابات العامة ، وأرسينا به نظاما للتداول السلمي للسلطة وحددنا فيه آجال الانتخابات ، ونظم المشاركة فيها ، والآن يقترب الوقت للرجوع للشعب صاحب الكلمة بعد الله في تجديد التفويض لمن يتولي حكم البلاد لخمس سنوات أخري.

فما هي مهام المرحلة القادمة ، ونحن نري المهددات ونرقب الفرص؟

علينا أن نتفق أن الجيل الذي سيتولي مقاليد الأمور كيفما كان انتماؤه ليس هو  جيل التسعينات وما قبلها ، فكثير ممن يصولون الآن في ميادين السياسة سيجدون أنفسهم بأقدار الله  وتقدم العمر ، خارج الميدان وربما خارج الحياة  ، إذ ليس متوقعا أن يجد كهول السياسة وشيوخها مكانا لهم في السلطة مع زمر الشباب. إنه الجيل الناشئ  في الايمان  المشرب بالثقة المتوثب المتفتح للحياة الطامع في صنع المستحيل ، والصاعد في سلم المجد ، والمستعد لدفع الثمن الغالي لأسعاد  أمته. إنه جيل الأبناء الشباب الذين هم حصيلة جهود الأسر السودانية الكريمة  إذ دفعت في سبيل إعدادهم كل ما تملك. إن من حقهم علينا أن نفتح لهم الأبواب  للتحاور والمجادلة والتفاهم بعيدا عن مكايدات الماضي ومتزايد آت المستقبل .

إن علي الجيل القادم للحياة في الأعوام الخمسة أن يضع دستورا للبلاد بأقلامه لا بأقلامنا ، ربما احتاج لبعضنا في المشورة والاستنارة والنصيحة ، غير أن القرار قرارهم والدستور دستورهم ، يلبي تطلعاتهم ويشبع رغباتهم ويقابل طموحهم ، الحرية فيه لهم يمارسونها ، ليس لنا أن نضع لهم القيود علي حرياتهم فهم أدري بها منا. الحوار السياسي المفتوح والتواصل القيادي وإفراغ شحنة التوتر الناتج من ممارسات الماضي وإيجاد صيغ متقدمة للتفاهم واقتراح المبادرات والمشروعات السياسية المشتركة والتشاور في القضايا الحيوية والقرارات المصيرية ،جميع لك يفتح الأبواب للتهوية السياسية الشاملة وينهي عهد المزايدة والمناورة والتبطل.

ومن مهام المرحلة تجاوز الظرف الأمني الذي نتج عن بقايا الانفصال ، ليس فقط بالحسم العسكري وإنما لإفساح المجال لأبناء المنطقتين وغيرهم من أبناء السودان للتعبير عن همومهم وعن إرثهم الثقافي  وعن مميزات وجودهم في المجتمع فهم سودانيون يحق لهم ما يستحقه غيرهم ، وربما لجأ كثير منهم للحرب بالإكراه  ولما يجدوا بعد هناءة العيش في ظل السلام. وينطبق الأمر أيضاً علي من خرجوا لحمل السلاح من مجتمع دار فور ،  إذ لم تترك المحادثات الداخلية والخارجية قضية من قضاياهم دون معالجة. نريد لبلادنا أن تنعم في الفترة القادمة بحصة سلام تنهي كل ألوان حشر الأنوف الخارجية في شئوننا ، فلولا أن بعض أبناء بلادنا أتاحوا لهم المجال للتدخل لما وجدوا حيلة لاختراق وحدتنا وانتهاك سيادتنا.  ويقتضي هذا مزيدا من التواصل الخارجي وتقوية الصلة مع الأصدقاء  وإيجاد مقترح للتعايش مع من أضرموا نيران الخصومة مع بلادنا. إن علاقتنا بالجنوب ستزداد قوة ، ما تغيرت  قط بسبب ما صاب جنوب السودان من حروب ومحن، نتوقع لها أن تنتهي بخروج الجيل الذي أدار الحروب وعاش في أجواء القتال وبروز الجيل المستنير المثقف في حكم جنوب السودان ،وتنمو حينها العلاقات مع السودان أحسن ما تكون ، كما هي الآن مع الجارة أثيوبيا.

ستكون هموم الاقتصاد الكلي وصلاح بنيته وهياكله علي العلم  أحد هموم المرحلة بالسعي المستمر لزيادة الإنتاج  واستكمال مشروع البني التحتية ونتوقع بإذن الله وصول الطرق البرية والكهرباء والمياه الي أطراف البلاد شرقا وغربا واتساع دائرة الاتصالات في جميع البلاد والاهتمام المتزايد بتنمية الريف وترقية القدرات والاستفادة من نتائج الأبحاث في زيادة الإنتاج الزراعي وإيجاد فرص العمل للشباب.

سيكون للسودان دور في المساهمة الفاعلة في استقرار القارة الأفريقية وفي حث الأفارقة علي الاعتماد علي النفس ومقارعة أحابيل الاستعمار الجديد والتمسك بأهداب السيادة الوطنية والقرار الوطني المستقل ، كل ذلك قد بدأ الآن  كما نعلم ويستمر بإذن الله الي أن تجد القارة نفسها في محفل صنع القرار العالمي. أما في عالمنا العربي الذي ندعو له بالعافية من أسقامه المزمنة  فالسودان  كعادته لن يكون طرفا في أي صراع عربي أو إقليمي  اذ لم يعرف عنه قد أدخل رجلا أو يدا في مستنقع التآمر علي بلد من البلدان .إنما يستمر في نهجه عنصر إصلاح وتوفيق ومصالحة مع الأشقاء العرب وممثلا إيجابيا لهم في القارة الأفريقية لا يطلب في ذلك جوائز ولا مكافأة نظير أدائه لواجبه المقدس.

الخلاصة أن رياح التغيير تهب الآن  ، تزداد قوتها مع مرور الأيام  ويريدها مر الليالي قوة ، فهي من نفحات التغيير الربانى الذي لا يعتريه الوهن من كثرة التأمر عليه ، ووقوده شباب الأمة بجمعهم لا بتحزبهم ، ووحدتهم لا بتفرقهم وتجردهم لا بأهوائهم وبعلو همتهم لا بفتورها وبتوكلهم لا بوجلهم والله غالًب علي أمره . إنه التغيير الذي يعطي المثال في دولة قوية مستقرة في بحر الفتن التي ابتلي بها عالمنا ، دولة  آمنة في محيط الذعر والخوف والرعب ، دولة موحدة في أتون التمزق والتفتت ، دولة مرهوبة في انكسار الضعفاء . أنها الدولة التي حفظها الله تعالي طيلة هذا الزمان وما يزال حفظ الله يظللها ويبعد عنها الشياطين والأبالسة والمردة مصاحبا لها في مسيرته اليه ، ما استقامت علي هذا الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.