بين كد الافهام وثمرات الاقلام

ياسر يوسف يكــــــــــــــــــــــتب:

الحريات الصحفية ..خذها ولا تخف (2/2)
……..
منتصف العام الماضى ، وبعد سبع مضين من ايام يونيو كنت قد كتبت فى حضرة صاحبة الجلالة وفوق بلاطها رسما للاراء والرؤى ، سميته (الحريات الصحفية.. خذها ولا تخف ) محاولة منى لابتدار النقاش حول مجمل قضايا تتخالط فيها السياسة بالاعلام والفكر بالمثاقفة ، وانطلق فى مثل هذه السجالات من كونى اعلاميا وصحفيا اعتز بهذا ، اذ اناقش الان من تلك الزاوية وذاك المدخل دون ان يسقط هذا لكى اكون امينا شجاعا وامينا التزامى بمنصبى الدستورى حتى لا يظنن احد انى اجبن او ارتد عن هذه لتلك او العكس ، واقول كنت قد نشرت الحلقة الاولى من تلك المقالة ، وعزمت على الدفع بمقال اخر تحريا لايضاحات حول ذات الرؤية ، بيد أنى أقول أن الأفئدة توهن واكدار الزمان قد تضعف العزم فضلا عن شواغل السياسة وهى ان اقبلت عليك سلبتك وقتك وصحتك وعافيتك ولكن ولتطورات كثيرة وجدل تصاعد مؤخرا واحداث طارئات لا داع للتفصيل فيها فهى معلومة قدرت ان العودة والادلاء بالقول ، والذى اعتقد ان مدخله المناسب الصحيح التأكيد على ثقتنا المطلقة فى الدور الوطنى والحيوى للصحافة السودانية ، هذه ثقة لا اسبغها من مدخل طلب الود ،هى حقيقة تلمسناها فى كل المراحل ، والمحطات ، ما خاض هذا البلد منشطا او واجه مكرها الا وكانت الصحافة فى الموعد ، فصيلا وطنيا متقدما ، مؤسسات واشخاصا ، لا نقصم ظهرهم بهذا او نمتن عليهم او نمن ، وانما هى الحقيقة شاخصة حرة نزيهه ، وبين كد الافهام وثمرات الاقلام لم يكن الا الوطن حاضرا ، صحيح ان الشطط يقع والتجاوز الذى نفترض فيه حسن النية قد يأت ، ولكن القصد المبيت للضرر والغبينة لا اظنه ، لا يحدث ولا يكون ، ولعل ونحن فى المؤتمر الوطنى والحكومة نلتقى مع الصحافة ، ونحن حزب مبذول للاخرين فى وسائط الاعلام ، ابوابنا وقلوبنا مفتوحة ، وقد ظللنا دوما وفى كل الاحوال نتواصل مع الصحافيين باعتبارهم شركاء ، شركاء فى الهم العام والمسئولية ، وهذه احدي تاسيسات مقاصدنا فى الرؤية الكلية للامر ، نحن لا نتحدث البتة عن حرية تعبير كقيمة تطلق هكذا تعبيرا انشائيا ، قيمة التعبير والحريات الصحفية ومسئولية الاعلام انما تتكامل حينما يتحول الامر برمته الى مساحة للفعل من اجل شراكة ايجابية بين الجيمع ، الحاكم والمعارض ، الحزب والجماعة ، الفرد والمواطن ، لكل هؤلاء شراكتهم التى تتضح اكثر ما تتضح فى الحراك الصحفى والنشر ، انا اقصد افكارا ومشروعات للعمل ، اطروحات للخير العام يوفرها بالضرورة تباين اراء المتحاورين وهذا ينقل مقاصدية حرية التعبير من مجرد التعويل على محتوى ما من حيث تراسيم خطوطه بين الحمراء وغير الحمراء الى ميزة الحجية التى يطرقها والبيان الذى ينشده والمقترح والتصورات المناسبة التى يطرحها فى شتى قضايا الشان العام وغير العام
*****
كانت الأيام الماضيات ، ما زيد عن الاسبوع او أقل ضاجة بالجدل ، واندلق حبر كثيف ، وجرت السنة الصحفيين باستياء شديد تجاه ما عدوه هجمة سلطوية قيدت حريتهم وحقهم فى التعبير ، وهنا ابتداء ومن تمام النزاهة وسلامة العرفان القول بان هذا القرار وغض النظر عن ملابساته انما هو قرار نتحمل فى الحكومة مسئوليته بالكامل ، هو ليس اجتهادا من الجهة المنفذة او استهدافا او ترصدا كما اراد البعض ان يغمز به جانب جهاز الامن والمخابرات الوطنى والذى يعمل بالضرورة وفق تنسيق عال ورفيع مع بقية مؤسسات الدولة ومكوناتها والقرار بصورته تلك انما هو نتاج موقف جمعى داخل الجهاز السياسيى والتنفيذى للحكومة اتخذ بناء على حيثيات موضوعية ووفقا لتقديرات قصدت المصلحة العامة ولم يكن قط تعسفا تجاه الصحافة او افزاع لها او ابتزاز او اضطرار لها لاضيق الطريق ، اطلاقا لم يكن الامر كذلك ولن يكون ولكن وبمثلما للناشر او الصحفى اعتباراته حين يهم بالنشر لما يراه مصلحة عامة من النشر تتعلق برسالته فى التنوير والتعريف وبث الاخبار واتجاهات الراى وهى تقديرات قطعا وحتما ترجح جانب الصالح الجماعى للبلاد ومواطنيها او هكذا يفترض بها فالمقابل للسلطة الحق كذلك ان يكون لها تقديرها حين اتخاذ قرار ما من جانبها ، وهى قطعا كذلك وربما بدرجة اعلى وادق تقصد من قرارها المصلحة الوطنية العليا ، حتى وان كان ظاهر القرار ينبئ عند البعض بخلاف ذلك ولعل حتى ان الميثاق الدولى لحقوق الانسان في مادته التاسعة عشر وان اقر حقوق ما يصفه بحق كل انسان في اعتناق ما يراه من آراء ويشمل ذلك حرية التعبير والحصول على المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها سواء في شكلها المكتوب أو المطبوع أو المسموع أو المرئي أو الفني وما يتبع ذلك من واجبات ومسئوليات، الا انه الاستثناء وقبل ذلك وفى ذات الوجهه مضت المادة 11 من إعلان حقوق الإنسان الفرنسي الذي صدر بعد الثورة الفرنسية سنة 1789 على تقييد التداول الحر للأفكار والآراء بالقانون وحسب الحالات التي يحددها، وتنحو فى الاتجاه نفسه الاتفاقية الأوروبية والاتفاقية الأمريكية، والميثاق الأفريقي، وكلها تنص بوضوح على امكانية واجازة وضع محددات او قيود كان لافتا انها اتفقت تقريبا على محددات احترام حق الآخرين وسمعتهم وحماية الأمن القومي وحماية النظام العام الذى يعنى مجموعة الأسس التي يقوم عليها كيان الجماعة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو خلقية ويضاف الى كل حماية تسوير القواعد الاخلاقية المعتبرة فى البلد المعين عند الشعب المعين وتحظر كل الدول والحكومات فى هذا العالم منشورات الدعاية للحرب، و الدعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية أو الدينية وحظر التمييز العنصري ، ولا اقول ان الصحافة السودانية ارتكبت هذا ، ولكن القول فى سياق المقاربة والمقارنة فى فضاء الاطر القانونية التى يتحرك داخلها حق التعبير وهى امور يتم التعامل معها بصرامة لا مجاملة فيها ، صحيح ان حق الاعتراض ومواجهة ذلك بدفوعات القانون والسجال المدنى تظل قائمة لكن اخر المطاف فان قرارا ما سيصدر وقد تدخلت من قبل المحكمة الأوربية في قضية (أوتو بريمنجر) المتعلقة بفيلم يستهزئ بالمسيح والعشاء الأخير، واقرت موقف السلطات فى النمسا التى صادرت الفيلم المستهزئ لانها احست انه يثير شعورا بالاحتقار ويسقطه على معتقدات فئة من المواطنين والغريب ان ذات السلطات الاوربية طوت كشحا عن الرسومات المسيئة للرسول الكريم عليه افضل الصلوات والتسليم رغم انها كانت ايضا مسيئة للمسلمين ومشاعرهم لكنها لم تفعل شيئا مما يعنى ببساطة ان حرية التعبير نفسها فى سياقها الامثل تخضع لتقديرات كثيرة ليس من بينها حق التعبير نفسه كقيمة او منجز
*****
الولايات المتحدة الامريكية ، بدستورها نص صريح يتشدد فى انه لا يجوز للكونغرس أن يسن أي قانون يحد من حرية التعبير، أو الصحافة، أو حق الناس في التجمع السلمي، وتقديم التماس إلى الحكومة لتصحيح المظالم لكن هذا النص يمنح الحكومة فى الوقت عينه فرض قيود بموجب التعديل الأول للدستور، خاصة فى الموضوعات التى تحض على اعمال عنف محتملة او وشيكة او حال ترقب تهديدات حقيقية كما ان التعديل طال حتى ما يسميه خطابات التشهير والفحش واكثر من هذا فقد امتدت يد الرقيب الامريكى فى قضايا النشر والاعلام الى امثلة اقربها ما حدث فى حرب الخليج الثانية وهو معلوم بالضرورة وقد افاض فيه الشراح والناقلون بمن فيهم امريكيون مثل جون مكارثر ناشر مجلة (هاربرز) الامريكية الذى انتقد فى مؤلفات عديدة تصرفات الحكومة الامريكية ابان الحرب واتهمها بتضليل الاعلام والمواطن والراى العام العالمى وهو نتاج لحالة صارمة من الرقابة والتدخل المباشر التى كانت احيانا تدار مباشرة من وزير الدفاع الامريكى حينها دونالد رامسفيلد الذى ذاع عنه قوله في اجتماع بالبنتاغون فى معرض رده على احد الحاضرين عما يمكن عمله ردا على وسائل الاعلام التي تقدم تغطية سلبية للحرب بدعوته – اى دونالد – لمعاقبة الصحيفة والتلفزيون اللذين لا يقدمان نصيحة طيبة وبمكافأة اولئك الذين يقدمون نصيحة طيبة !!
ذاك واقع العالم من حولنا ، ولا ارغب فى اصدار قول يتصدر به المغرضون غدا مجالسهم بالقول ان وزير الدولة للاعلام بالسودان او الحزب الحاكم يقول ان الاوضاع على صعيد حرية التعبير بالسودان الافضل والاميز حتى على مقارنة امم ودولا اكبر ، ولكنى اقول بمنتهى الموضوعية والتواضع وقياسا على ظروف السودان واشكالاته العديدة الاجتماعية والسياسية وبيئة العمل العام وظروف المحيط الصحفى فان ما يحدث بالسودان الان وضعا مقبولا فى حرية التعبير ، نحرص عليها وندعو لان تتقوى بالمسئولية بالقانون ، ذلك القانون الذي يكون تاجا فوق راس الجميع حاكمين ومحكومين وما يثبت شهادتنا بالوضع المقبول عهو شهادة زوار ومسئوليين فى احزاب وحكومات يأتون للبلاد ويستغربون لقوة تحملنا لنقد فظ وعنيف من الصحافة يتركب او يسقط او يهفو مرات فيتنكب الحق ، كان هؤلاء يبدون دهشة عريضة مما يقرأون ويسمعون ولهذا اقول ان الثقة كبيرة واليقين مطلق فان الصحافة السودانية كما قدمت فصيل وطنى ، وهى وان تحاملت احيانا لكنها لا تخون ، هذه قناعة راسخة بين كل المسئولين والقيادات ولا يزال الخير مطلوب منها والتعويل عليها قائما لاسيما وانها ركن ركين فى مشروعات السلام والحوار والوفاق الوطنى فلها كلمتها وارشادها المنتظر ولها سهمها فى الحوار المجتمعى لتكون ساحة لتلاقح افكار الناس باحزابهم المختلفة وتوجهاتهم ولهذا اقول بكل الثقة وكما قدمت فى المقال السابق إن الحق يلزمنا بشهادة لاهل الوسط الصحفى ، وبعضهم من أهل المعارضة، بأن السودان عندهم فوق الجميع وقبل أحزابهم، ولهذا فإنني على ثقة بأن جولة الحريات ماضية إلى آخر شوطها وإن مسها طائف الشيطان فسنتذكر جميعا الحق فنكون مبصرين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.