د.الوليد سيد محمد – يقدم قراءة معرفيه في كتاب (قروي في بلاط الدبلوماسية)

عندما اختار السفير عمر بريدو ذلكم العنوان لكتابته وضع دلالات قد لاتكون مرئية فالعنوان نفسه يعكس مدي أصالة الكاتب وتمسكة بجذوره القروية وإعلانة أن القيم والموروثات التي صاغت شخصيتة وقدمتة كدبلوماسي إنما كان نبعها الأول من قريتة هناك عندما كانت (سنجة) تشق طريقها للمدينة في أوائل القرن العشرين , فهي الآن مدينة كبيرة تضخ بالحياة وتمتليء بالحيوية وتذخر بالتاريخ إذا أنها إرتبطت بثورات مهمة ضد الإستعمار البريطاني أهمها ثورة محمد ود السيد حامد ( والدة السيد حامد عبد الله شقيق الإمام المهدي والذي إستشهد في معركة قدير ) .
خرج السفير عمر بريدو إلي بلاط الدبلوماسية من (سنجة) عاصمة الفونج في 1915 , مثلما خرج رواد أوائل أسهموا في إثراء الحركة الوطنية , والثقافية , والإجتماعية بالسودان منهم : خضر عمر من رواد الإستقلال ورئيس حزب الأشقاء وحيث نجيله والتريف زين العابدين الهندي وآخرون مثل : حامد محمد الأمين , مهدي ابراهيم , محمد عثمان النجومي , جعفر أبو صالح , يوسف الهادي , حسن بشير عبد الوهاب , دفع الله الحاج علي , علي ابراهيم مطر يس أحمد الحويرص , وحسن عيسى .
بجانب كل أولئك النفر من أهل الدبلوماسية خرج السفير عمر بريدو والذي عمل بالزراعة في مُقتبل حياتة . وتنوع في أنواعها ومحاصيلها مثلما تنوع في العمل الدبلوماسي في محطات مهمة بمهاراتة العالية وتأثيرة الإيجابي الذي اكتسبة من الزراعة وخلوة الفكي محمد عبد الله الصاوي .
بعد أن تخرج من المدرسة الأولية والوسطي بسنجة , إلتحق بمدرسة المؤتمر بام درمان حيثُ ركب القطار لأوّل مرة , وإنتقل من هناك إلي حنتوب الثانوية وهو بذلك يقترن اسمه بمؤسستين ظلتا كالقمرين وقتذاك تضيء ظلة الجهل بالمعرفة والعلم ويخرج منها الطالب متسلحاً بضروب الثقافة والمهارة , وقد ساهما في تأهيلة للدخول لجامعة الخرطوم التي كانت ومازالت حُلماً لجميع طلاب الثانويات , نهل من معين الجامعة عبر كلية (الأداب) حيثُ كان عميده آنذاك البروفسير عبد الله الطيب وأشهر أساتذتها مكي شبيكة , واهتم السفير عمر بريدو خلال دراستة بالجامعة بالعمل الصفحي
والسياسي ونشط في إتحاد طلابها وتعرض للإعتقال , وبعد إكتسابة للعديد من المهارات في فترة دراستة التحق بالعمل الدبلوماسي بوزارة الخارجية ونجح في دوزنة مهاراتة لتزودة في عملة الجديد . كيف لا وهو قد درس الموسيقي في صغرة وكان عضواً نشطاً في فرقة الموسيقي بالمدرسة .

وبعد أداءه القسم سكرتير ثالث في منتصف عقد السيتينات 1963م , وصل تقرير من الأجهزة الأمنية لوزير الخارجية أنه معارض للنظام وأُعتقل قبل ذلك , وأوصي التقرير بعدم قبوله , وكان تعليق الوزير أحمد خير ” ان هذه هي العناصر التي نحتاج إليها في وزارة الخارجية ” .
عمل بالهند كأوّل محطة خارجية له , مع عملاقين ورائدين في العمل الدبلوماسي وهما : السفير عبد الكريم ميرغني , والسفير أحمد صلاح بخاري . حيث شهد زيارة الرئيس عبود إلي الهند في 1994م , وإلتقى هناك بالسيد أبو الحسن الندوي المفكر الإسلامي المعروف والذي أسهمت كتاباتة بجانب ماقرأ لأبو الأعلي المودودي وسيد قطب ومالك بن بني في تشكيل وجدانه وتوجهه الإسلامي .

في شتاء 1966م عمل بسفارة السودان بلندن وعندما وصلها كان سفير السودان هناك السفير جمال محمد أحمد وهو صاحب تجربة ثرة وعلم غزير ومعلومات وعلاقات واسعة خاصة مع دوائر الأدب والفن والمسرح , ولعل الكثيرين يذكرون الجهود الكبيرة التي قام بها السفير جمال مع مخرج فيلم Khartoum (الخرطوم) لتصحيح الكثير من الأخطاء التاريخية التي وردت في ذلك الفيلم الذي كان يركز علي شجاعة غردون .
من لندن وصل السفير بريدو إلي باريس قائماً بالأعمال وذلك عقب حرب 1967م , في إطار سحب السفراء العرب من عواصم الدول الغربية , ثم عاد إلي لندن , حيث كان وقتها السفير هناك سر الختم الخليفة التي وصل إليها منقولاً من تركيا .

بعد ثورة 25 / مايو /1969م , شاءت الأقدار أن يصدر قرار بفصل سر الختم الخليفة و السفير بريدو من وزارة الخارجية وحاول حينها وكيل الوزارة جمال محمد أحمد أن يعرف الأسباب الداعية للفصل بحكم معرفتة الجيّدة للسفير بريدو , فعمل علي كسب الوقت وأرسل برقية السفارة في لندن فطالب بحضوره للخرطوم خلال إسبوع وليس فصلة .
وخلال ذلك تحدث العديد للسيد الوزير عن مناقب السفير عمر بريدو وكان الأمر منتهياً بمواصلتة في الخدمة
.
عمل بيوغندا خلفاً للمستشار الأمين عبد اللطيف الذي غادر بطلب من الحكومة اليوغندية بإعتبارة شخصاً غير مرغوب فية وقد كان نشطاً ومقتدراً وغيوراً , شهد السفير بريدو تقلبات العلاقات السودانية اليوغندية ودورها المحوري في مشكلة الجنوب بحكم التداخل القبلي الكبير والحدود الطويلة بين البلدين , وقد شارك في أوّل جولة مفاوضات بين وفدي الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان عقب ثورة الإنقاذ من أغسطس 1989م , وهي المفاوضات التي أدت لإتفاقية السلام الشامل في 2005م .

<strong>في 1978م وصل السفير بريدو الي جنيف سفيراً بعد أن عمل بنيويورك وتعتبر جنيف العاصمة الثانية للأمم المتحدة بعد نيويورك , حيث عمل معه دبلوماسيين متميزين أبرزهم كامل الطيب إدريس الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة للملكية الفكرية , وقدم هناك العديد من المبادرات من ضمنها فكرة عقد مؤتمر دولي لمساعدة اللآجئين في أفريقيا والذي تم إفتتاحة في 9/4/1981م بجنيف .
وقد بذل بصورة مضنية في جنيف من اجل الدفع بأبناء السودان وترشيحهم للمناصب الدولية في
المؤسسات والمنظمات وقد اجتهد في ان يكون السيد دفع الله علي مفوضاً سامياً للآجئين وكذلك السفير عز الدين حامد في منصب السكرتير العام لمؤتمر الأُمم المتحدة للتجارة والتنمية ، وغيرهم ، وكان قد عُرض عليه نفسه منصباً رفيعاً بمكتب الأمين العام للأُمم المتحدة إلا أن السفير بريدو اعتذر عنه وذكر ان بلاده في حاجه الي خدماته أكثر من الأُمم المتحدة .
بعد ثورة الإنقاذ الوطني في 1989م عُرض عليه منصب وزير الخارجية إلا أنه ذكر ان هناك من هو أحق منه واشار للسفير علي احمد سحلول الذي كان في إجازه بالقاهرة وقتها والذي وافق علي الطرح وقاد الوزارة بمهنية وكفاءة .
كان السفير عمر بريدو مسكوناً بحب العمل الدبلوماسي وكان يضع بصمته في كل محطه عمل بها دبلوماسياً أم سفيراً بعد كمبالا عاد إلي نيويورك مندوباً دائماً في 1989 وقتها كان السودان في مجلس الأمن ، وقدم دوراً بارزاً في أعمال لجنة الأُمم المتحدة الخاصه بمناهضة سياسة الفصل العرقي في جنوب أفريقيا .

شهدت تلك الفترة بذرة نمو الإيقاد ( الهيئة الحكومية لمكافحة الجفاف والتنميه ) ، حيث تعود تلك المنظمه للدبلوماسية السودانية ، وللسفير عمر بريدو الذي إقترح علي وزارة الخارجية انشاء آلية لمحاربة الجفاف والتصحر لدول القرن الأفريقي ووجدت تجارباً كبيراً من دول الإقليم . وقد التقطت جيبوتي القفاز واستضافت القمه الاولى في 1986م .
بعد 1989 عمل سفيراً بالمملكة السعوديه حيث شهد في فترته ترحيب الرياض بثورة الانقاذ وإحتلال العراق للكويت , وقد حرص علي إحتواء الأزمه والصعوبات التي إعترضت مسيرة العلاقات بين البلدين .

عاد من الرياض وكيلاً لوزارة الخارجية في نهاية عام 1992م حيث عمل مع وزارء الخارجية : علي سحلول , حسين أبو صالح , علي عثمان محمد طه , وفي تلك الفترة إهتم بالعديد من المشروعات أبرزها :-
(1) مشروع كتابة تاريخ وزارة الخارجية والدبلوماسية السودانية .
(2) إعادة نشر كتاب السياسة الخارجية الذي كان قد توقف منذ 1983م .
(3) بناء وزارة الخارجية بموقعها الحالي .

(4) تأسيس النادي الدبلوماسي بشارع المطار .

ثم بعد ذلك سفيراً مرة أُخرى إلي لندن في 1995م , ونشط في توضيح صورة السودان عبر لجان البرلمان البريطاني والإعلام وذلك بإصدار النشرات وإقامة الندوات وإشراك مراكز البحوث البريطانية في الشأن السوداني .
إن ” قروي في بلاط الدبلوماسية ” ليس كتابا فقط بل مدرسة مكتملة الفصول تعلم ناشئة الدبلوماسية تاريخ السودان وحركتة الوطنية والولاء له والعمل من أجله وصولاً للعمل السياسي والدبلوماسي ومبادئه وأُصوله , إن الكتاب سلط الأضواء علي نموذج متفرد في العمل الوطني ساهم في وضع أُسس للأجيال القادمة الصاعدة علي سلّم الدبلوماسية , ولعل إشاراتة الذكية للتعامل مع الآخر والتعامل مع المرؤسين والحرفية والمهنية تجعل القارىء يستلهم المعرفة والقوة , بل أن الكاتب مضى لأكثر من ذلك في تقديم زوجتة ” كلثوم الشريف بركات ” التي ساهمت معه في كل ذلك التفوق وضحت ببحثها لنيل درجة الدكتوراة في الولايات المتحدة لتشكل سنداً وعضداً له , ولعل ذلك يضيف فصلاً من فصول مدرسة الكتاب لدور الزوجة والأُسرة في العمل الدبلوماسي من جهة , والإعتراف بهذا الفضل من جهة أُخرى .
ختاماً هي دعوة ليس لقراءة الكتاب فقط , ولكن للتمعن في ثنايا أسطره والعمل بمنهجة , فالدبلوماسية تراكم خبرات معرفية وعلمية . واستلهام لتجارب الآخرين مع تزويد النفس بالهمة العالية وكسب الناس والتثقيف المستمر والمبادرات الوثابة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.