د.سامية علي – امريكا ..سيناريو الوعود والعقوبات

لا زالت الولايات المتحدة الامريكية تستخدم سياسية الكيل بمكيالين مع السودان ، واحيانا التعاطي بسياسة الجذرة والعصا ، فكلما تكهنت الاوساط السياسية وكل من يتابع الشأن السوداني الامريكي بان العلاقات بين البلدين بدأت تتجه نحو التطور وربما التطبيع ، يأتي الرد (عمليا) من الادارة الامريكية بتجديد العقوبات على السودان ..

وتظل الولايات المتحدة الامريكية تتعامل بهذه السياسة مع السودان ، وتستغل قدراته التي تعترف بها ضمنيا لحل كل معضلة تواجهها ، وتوعده برفع عقوباتها ولكنها سرعان ما تخلف وعدها فور الوصول الى مبتغاها ، ملفات كثيرة انجزتها الخرطوم مقابل ان توفي واشنطن بوعدها ولكن النتيجة صفر كبير ، بدءا من تعاونها في الحرب على الارهاب في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر 2011 ومرورا بتوقيع اتفاقية نيفاشا واستفتاء الجنوب وانفصاله، وتفكيك الحكم العسكرى وتحويله الى الحكم المدنى ثم اتاحة الفرصة الى الاحزاب الاخرى فى المشاركة فى الحكومة عبر ممارسة ديمقراطية تحتكم الى صناديق الانتخابات ..

زيارة المبعوث الامريكي رونالد بوث الى السودان نهاية الشهر الماضي ، جاءت في سياق مهمة ربما كانت عاجلة لمواصلة الحوار بين الخرطوم وواشنطن ، الا ان هذه الزيارة لم تأتي بجديد على صعيد تطبيع العلاقات بين البلدين ، وقد سبقتها زيارات من مبعوثين سابقين امثال روبرت زوليك واندرو ناستيوس وريتشارد ليمسون ، قد جاءوا للسودان وبدأت معهم حوارات الا ان كل نتائجها ذهبت ادراج الرياح ، كما كانت ايضا نتائج الزيارت التي تمت على مستوى رفيع من مسئولين سودانيين الى الولايات المتحدة الامريكية بدعوة من الادارة الامريكية ، اذ اعقبتها قرارات صادمة باستمرار العقوبات الاقتصادية وادراج السودان في قائمة الدول الراعية للارهاب ..

والان تطلب الولايات المتحدة الامريكية ، من السودان التدخل لانهاء النزاع في دولة الجنوب ، وبالطبع تلوح بجذرة رفع اسمه عن قائمة الارهاب ، وانهاء العقوبات الاقتصادية ، وهى تعلم جيدا تاثير السودان الكبير على هذا الملف ، في اعتقادي مهما فعلت الخرطوم تجاه مطلوبات واشنطن لن يجدي ولن يحرك ساكن العقوبات التي تفرضها الادارة الامريكية على السودان ..

انظروا الى الجهود التي بذلها السودان لتحقيق الهدف المرجو ، فبجانب الايفاء بما تطلبه واشنطن من مهام قد اوفت بها الخرطوم تماما ، نرى الجهود الدبلوماسية التي قامت بها قيادات رفيعة المستوى بالحكومة ابتداءا من جهود صلاح قوش مدير جهاز الامن والمخابرات السابق ، ووزراء الخارجية مصطفى اسماعيل وعلي كرتي و بروفسير ابراهيم غندور ، واخيرا رئيس البرلمان بروفسير ابراهيم احمد عمر الذي هو الان هناك على وفد عالي المستوى يبحث تطور العلاقات بين الخرطوم وواشنطن ، واحسب انها ستكون كسابقاتها ، وعود فقط.. سيقبض السودان الريح بتجديد العقوبات التي تتم كل عام.
في ظني ان اللقاء الذي سيتم بين وزير الخارجية بروفسير غندور ونظيره الامريكي جون كيري ، سيكون كاللقاءات السابقة ، حديث فقط عن ضرورة تطوير العلاقات بين البلدين ، ثم زج ما تطلبه واشنطن من الخرطوم وتكرار الوعود المعروفة والطرق على المطلوبات الى ان يوفي بها السودان ، ثم تجديد العقوبات، اذن لا جديد في الامر.

الان تنشط واشنطن ليلعب السودان دور مهم في رأب الصدع بين الفرقاء بدولة الجنوب ، ليتكرر ذات السيناريو ، ايفاء بالمطلوب ثم خلف للوعد ، واشنطن التي تتيقين تماما ان من مصلحتها ان تستمر الحكومة الحالية في الحكم ، ترى ان الخرطوم تحافظ على الامن في المنطقة كدولة خالية من العنف والتطرف ، وترغب في ان يلعب السودان دورا اقليميا لتحقيق السلام بالدول المجاورة ويساعد على استقرار الجنوب ، بيد انها تضع كل التحسبات ان لا يقوى السودان ويشتد عوده للدرجة التي يمكن ان يهدد بها مصالح امريكا ، بمعنى انها ترغب ان تحقق مأربها في المنطقة عبر السودان ولكن دون ان تتضرر من ذلك سياسيا او حتى اقتصاديا.

لذا فانها تجدد العقوبات على السودان سنويا حتى يكون مكبلا لا يقوى على الانطلاق ، بينما تظل توعده بجني الجذرة دون ان يطال ذلك وسيظل يدور في فلك الوعود والعقوبات الى ما نهاية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.