مرتضي شطة – اسواق المواشي من الدلالة إلى الموازين ..

عمود متون وحواش – نقلا من صحيفة الراي العام

كنت أود شراء خروفين لمناسبة أسرية قبل أكثر من عشرة سنوات ، ولأنني أفضل الخراف الحمرية ، فقد توجهت إلى زريبة المواشي غرب سوق ليبيا في المنطقة المشهورة بقندهار حيث الشواء على أشده في المطاعم البلدية ذات (العناقريب)، كنت في طريقي قد هاتفت قريبي الذي يعمل (سبابي) هناك أي سمسار بلغة السوق ، وبعد جولة طويلة وجدنا أن الأسعار مرتفعة جداً وكلما تخيرت خروفا معتبراً كان السعر غير واقعي ، أشار إلى قريبي بأن اشتري بطريقة مختلفة وهي (الدلالة) ، فتعجبت كيف تباع الخراف بالدلالة ، قال لي تعال بنا إلى مدخل الزريبة ، فبقينا قرب البوابة الرئيسة ، وكنا نراقب حتى نتخير من الذين يودون البيع عن طريق المزايدة ما نريد ، قلت لقريبي أريد هذه النعجة فهي جيدة وليس بها (جنين)، فقال لي جدا ،ودخلنا دائرة الدلالة ، وقف سمسار وتوسط الحاضرين فاتخذ مكانه إلى جوار صاحب النعجة الذي لا يزال ممسكا بها ، وأخذ ينادي بأعلى صوته (ابن حلال يفتح الباب؟ )، فجاء سمسار آخر اصطحب السمسار الدلال بعيدا خارج الحلقة بأكثر من عشرة أمتار ووضع كفيه أمام فمه وهمس في أذن الدلال برغم بعد المسافة عن بقية الناس ، ثم عاد الرجلان إلى الحلقة وتوسطها الدلال وهو يقول (هل هناك من يزيد ؟) ونحن لم نعرف بعد بكم افتتح الأول المزاد ، أخذ قريبي الدلال إلى مكان بعيد وهمس بين كفيه في أذنه ثم عادا والدلال يكرر (هل من زيادة؟ ) تكررت المزايدات على هذه الطريقة ونحن لا نعلم عنها شيئاً حتى عاد قريبي مع الدلال ونادى فلم يزايد أحد وقال (يستاهل)! بعد ذلك تنحينا جانبا بعيدا عن الآخرين الدلال وقريبي السمسار وصاحب النعجة وافصح لي قريبي عن المبلغ اعطه كذا .اعطيته المبلغ وقد كان أقل بكثير من الذي فوضت قريبي ليصله في المزايدات ، فاشتريت الثنتين بثلثي المبلغ الذي كنت اتوقعه ، ثم شرح لي قريبي السمسار كيفية إجراء هذا المزاد :قال لي هذه الطريقة لا يسمح فيها بالمزايدة إلا للسماسرة الذين يتولى أحدهم دور الدلال ، ولا يتعامل بالمزايدات الهامسة لمعرفة آخر سعر أو قبول سعر أعلى إلا مع زملائه السماسرة الذين يعرفهم في السوق، وبهذه الطريقة يضمن السماسرة لأنفسهم أن كل بيعة يدخل فيها الكثيرون منهم انابة عن المشترين بالإضافة إلى الدلال ويقبضون عمولتهم .
حاشية:
إن مشكلة القياس والمعايرة في بيع وشراء الخراف خاصة في موسم الأضاحي كبيرة ، فلا تكفي سن البهيمة لوحدها لأن الكثيرين لا يميزون بين( التني والرباع) مثلا، ولا يكفي الصنف لأن التمييز بين الأصناف صعب على الكثيرين ، لذا فإن المنطقي جداً اللجوء إلى وحدة قياس متفق عليها وهي وحدة الوزن التثاقلية المعايرة عالمياً (الكيلو جرام) ، ولقد أقدمت على هذه التجربة وزارة المالية والاقتصاد وشئون المستهلك بولاية الخرطوم والمركز السوداني لثقافة وحماية المستهلك بشراكة مع منتجي الضأن وأخذوا المقياس بالبيع بالكيلو جرام الحي بوزن الخروف حيا كاملاً ووضع سعر تاشيري 29 جنيها للكيلو جرام الحي، وتم تدشين البيع في مركزين بميدان المولد ببحري والسجانة بالخرطوم ، أيا كانت التجربة فالحد الأدنى لنجاحها أنها أوجدت معيارا لبيع وشراء الخراف كنا نفتقد إليه ، ثم إنها سهلت على عديمي الخبرة في الشراء حتى لا يخدعوا وسهلت التعامل المباشر بين المنتج والمشتري دون وسطاء كانوا يقتاتون على رفع الأسعار ، ثم انها تساعد على تقليل الطلب في بقية الأسواق بزيادة العرض هنا مما يجعلها تعمل كآلية مساعدة في كبح جماح الغلاء وتقويم آلية العرض والطلب ، إن كل الذي نرجوه هو استمرار هذه الأسواق وتوفير اعداد كافية من الخراف لها لتعمل حتى مغيب شمس يوم عرفة حتى لا تنفلت الأسعار في آخر يوم ، ثم اعتماد طريقة الكيلو كأسلوب مقايسة من الهيئة القومية للمواصفات والمقاييس في بيع وشراء الخراف مع تحرير سعر الكيلو لكل صنف ومراعاة الفرق في السن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.