د. الصاوي يوسف – كيف ينجح الحوار؟

لماذا نجح الحوار في تونس، فجنّب تلك البلاد مصير بلدان الربيع العربي الأخرى، فنالت اللجنة الرباعية للحوار جائزة نوبل للسلام، كأكبر تتويج واعتراف بفضلها؟ ونالت تونس استقراراً سياسياً مشهوداً تحسدها عليه الكثير من البلدان؟
ولماذا نجح الحوار في جنوب أفريقيا بين النظام العنصري وحكم الأقلية البيضاء، وبين حزب المؤتمر الوطني الأفريقي بقيادة مانديلا، الذي يمثل الأغلبية السوداء؟ فأدّى الحوار إلى نظامٍ ديمقراطي مستقر، يجد فيه البيض مكانهم المشروع دون عزل ولا إقصاء، ويجد فيه السود حقوقهم الطبيعية كأغلبية؟
لماذا نجح الحوار في فيتنام وفي كمبوديا وفي سريلانكا، فكانت نتيجته وقف الحروب الدموية المدمرة التي اشتهرت بالفظاعة، وكانت نتيجته استقراراً سياسياً واقتصادياً جعل من هذه الدول الآن نموراً اقتصادية تتصدر الأسواق الجاذبة للاستثمار والمصدّرة للسلع المصنَّعة والجاذبة للسياحة من كل أنحاء العالم؟
هل نجح الحوار في هذه البلدان لأن مشاكلها كانت “بسيطة” وسهلة؟
مؤكد أن الإجابة بالنفي. فقد كانت مشاكلها أعقد كثيراً من مشاكل السودان. التي تتلخص في عدم الاتفاق على نظام سياسي مستقر ودستور دائم. أما تونس فقد فاز فيها الإسلاميون بالأغلبية البرلمانية، ومع ذلك لم ترتضِ بقية القوى السياسية أن يكون لهم الأغلبية في الحكومة، وكان لابد من صيغة يتنازل بموجبها الحزب صاحب الأغلبية عن حقه في الحكم، بل وحتى عن حقه في الترشح لرئاسة الجمهورية، وهي من أندر أنواع الديمقراطيات في العالم! ولكن حزب النهضة ارتضى التضحية بالحكم في سبيل تحقيق التوافق والاستقرار، والخروج من مأزق الربيع الذي يفضي إلى الفوضى والتمزق. وفي جنوب أفريقيا كان نظام التفرقة العنصرية (الأبارتايد) الذي تسيطر عليه الأقلية البيضاء قد حكم البلاد عقوداً بالحديد والنار، في دولة بوليسية ذهب ضحيتها مئات الآلاف من الضحايا الأبرياء، ومنها جاءتنا عبارة (أبكِ يا بلدي الحبيب). وفي فيتنام وكمبوديا دارت حروب ومذابح لم يعرف التأريخ لبشاعتها وفظاعتها مثيلاً.
لقد نجحت هذه الحوارات لأن القوى السياسية والمسلحة في تلك البلدان أدركت أن المعادلة الصفرية التي بموجبها يقضي أي طرف على عدوه ويقصيه من الساحة تماماً، هي معادلة مستحيلة أولاً، وهي معادلة تفضي إلى دمار عظيم ومستمر، قد تذهب ضحيتَه البلادُ نفسها، فلا يبقى منها ما يصطرعون عليه، أو يحكمونه بعد (الانتصار).
وأدركت تلك القوى أن القبول بالآخر المخالف هو أمر لا مفر منه، وهو أضمن لسلامة الوطن واستقرار النظام السياسي، وهو وإن كان يبدو مُرّاً، فهو ممكنٌ بل ومفيدٌ عل.
ونجحت تلك الحوارات لأن تلك الشعوب تبحث عن حل تتراضى عليه كل الأطراف، وليس حلاً يتجرعه أحد الطرفين وكأنه قد هُزم ودُحر ومطلوب منه الخضوع والاستسلام للمحاكمة والإذلال ودفع ثمن الخلاف لوحده.
نجحت تلك الحلول لأن الذين عملوا بجد لاجتراحها وكدحوا وقدحوا أذهانهم للوصول إليها، كانوا حريصين على أوطانهم لا على المكاسب والمناصب والانتصارات الصغيرة والمصالح الحزبية والذاتية الضيقة. كانت قلوبهم أكبر من الكراهية وأرواحهم أصفى من أن يلوثها الحقد الأعمى، كانوا ساسة ورجال دولة، ولم يكونوا تجار سياسة ولا لوردات حرب. كانت عقولهم عميقة ومدركة للتأريخ، وللمآلات، ولتعقيدات الواقع السياسي والمجتمعي في بلدانهم، كانوا يبحثون بإخلاص عن صيغة تضمن الكسب للجميع، لا لفصيل ولا حزب ولا قبيلة.
فهل نتوقع، في آخر النفق، أن يخرج علينا المتحاورون، وقد استفادوا من هذه التجارب الثرة والخبرات المجانية، ولبسوا ثوب القومية النبيل، وتوشحوا بوشاح السودانية التي حققت الاستقلال قِدماً، وتحلوا بروح الوطنية لمرةٍ وإلى الأبد؟ى المدى البعيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.