مالك طه – الشعبي.. الميراث والوصية

يوالي الدكتور حسن الترابي هذه الأيام، رصف الطريق وتعبيده نحو حوار حقيقي مع الحكومة، كان هو شخصيًا أكثر المتجافين عنه، مفضلاً غياهب السجون وظلام المعتقلات على أي لقاء يجمعه مع الحكومة وحزبها المؤتمر الوطني الذي تواترت الآراء داخل حزب الترابي على أنه أبعد الأحزاب عنهم طُرّاً، بما في ذلك الحركة الشعبية.

وإذ يفعل الترابي ذلك، فإنه يرسخ حقائق مهمة ظلت تلازمه في مسيرته السياسية الموّارة بالأحداث والتقلبات، وأولى هذه الحقائق أن الترابي شخصية سياسية لا تقبل الكُمُون والتواري، فهي حاضرة في المسرح السياسي دائماً سواء بالفعل أو الامتناع عن الفعل.

وثاني هذه الحقائق، أن الترابي لديه دأب ومثابرة لإدراك هدفه قل أن توجد في غيره من السياسيين، فقد عارض الحكومة ودفع استحقاق المعارضة دون أن يأبه إلى الخسائر الكثيرة التي ترتبت على موقفه العنيد ذاك، ويبدو أنه الآن في سبيل أن يدرك ما كان يبتغيه من معارضة الحكومة.

ليس سراً أن أحزاب المعارضة الكبيرة تأكلها الغيرة الشديدة من هذا الاحتشاد(الشعبي) خلف الحوار الوطني، وهذا ما دفع السيد الصادق المهدي المشهور بكلماته الحارقة إلى تشبيه مشاركة الشعبي في الحوار على أن الشعبي يريد أن يكون موجودًا لحظة الاحتضار حتى يجد نصيبه من وصية الميت، وهو تفسير شخصي من الصادق لنظرية النظام الخالف.

إن نظرية النظام الخالف التي شغل بها الترابي الناس قبل فترة قصيرة، فسرها آخرون تفسيراً لا يبتعد كثيراً من تفسير الصادق، أنها تعني أن يعود ميراث الحركة الإسلامية من الحكم إلى الترابي (بالفرض والتعصيب) كما يقول فقهاء الميراث، هذا بعد أن يفضي الحوار إلى إضعاف قبضة الوطني، وتنتقل البلاد إلى مرحلة جديدة تكون فيها الأحزاب السياسية على مسافة واحدة من كراسي الحكم.

وثالث هذه الحقائق هو أن الترابي قليل الصبر على التحالفات، وربما كان للثقل المعرفي والتجربة السياسية النصيب الأوفى الذي يجعل الرجل عنصراً غير متحد مع غيره، فرأي الشيخ في النهاية لا بد أن يسود على ما عداه، وتتجلى هذه الحقيقة الآن في المواقف المتباعدة بين الترابي وتحالف المعارضة، وكأن ما كان يجمعهما هو مجرد عداء للحكومة يوشك الآن أن ينتهي، أو أنه انتهى بالفعل.

الحقيقة الثالثة أعلاه (ودعونا نصفها بالافتراض)، هي أكثر ما يزعج المعارضة في دعوة الترابي للتحاور والتعافي والمصالحة مع الحكومة، فمع أن الطرح (الدعوة للتصالح) يبدو في غاية النبل وأسنى المطالب، ولكن البعض غلب عليه الفهم أنها أشبه بصلح خاص بين الإسلاميين فقط، إذ لا يظهر أي طرف آخر في المعارضة ينشط في الدعوة للحوار كما يفعل الترابي.

كنت قد ذكرت في عمود سابق أن تجاوز الترابي وكوادره عن المرارات الشخصية هو أكثر ما يربك المعارضة، ولكني أعود الآن لأقول إنها يجب أن تكون أكثر ما يشجعها على الانخراط في الحوار، لأن الذي يحتضر ليس الوطني ولكن الوطن نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.