مرتضى شطة – الحوار الوطني: امتحان إرادة القوى السياسية…

يحكى أن ثلاثة من طلاب الخلاوي أكملوا حفظ القرآن الكريم وأخذوا يتبارون في إجادة الحفظ من خلال ذكر المُتشابهات، وهم يغادرون الخلاوي قافلين إلى ذويهم، نزلوا بقرية وحل الليل فأبى عليهم أهل القرية إلاّ أن يبيتوا عندهم، وأكرموا وفادتهم وجاءوهم بقرى الضيف دجاجة مشوية إكراماً لأهل القرآن، خطرت على أحدهم فكرة فطرحها عليهم: لن ينال أحد من الدجاجة عضواً إلا إذا ذكر آية من القرآن الكريم فيها اسم ذلك الجزء من الدجاجة، فوافقه الآخران الرأي، وبدأت مسابقة البحث، قال أحدهم (والتفت الساق بالساق) فرد عليه الآخر بأن ساق الدجاجة ليس من ضمن ما يطهى، ثم قال الثالث (فك رقبة) فسمح له بأكل رقبة الدجاجة، قال الأول (إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) فأجازا له أكل صدر الدجاجة، وهم في حالة البحث تلك جَن الليل، فاقترح أحدهم أن يتركوا الآنية مُغطاة بما تبقى من الدجاجة وان يعرضوا على بعضهم البعض أدلتهم عندما يستيقظون لأداء صلاة الفجر، وفي الوقت المُحدّد استيقظ اثنان منهم فوجدا الدجاجة قد تحولت إلى حطام كهشيم المحتظر، فأيقظا الثالث وقالا له (كيف تخون العهد وتأكل الدجاجة بلا دليل من القرآن وأنت رجل حافظ؟) فكان رده أكلتها بدليل: (فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم). وبالعودة إلى المشهد السياسي في السودان عقب انفصال جنوب السودان في يوليو 2011م، فقد كانت القوى السياسية المُعارضة تنام مُتكئة على أطروحتين تعتقد أنها تستطيع بهما تسيد الساحة السياسية والأخذ بزمام المُبادرة في تشكيلها لتجر أحزاب الحكومة إلى ملعبها، الأطروحة الأولى هي تحميل الحكومة مسؤولية انفصال جنوب السودان لأنها أتاحت للجنوبيين حَق تقرير المصير وَنَفّذته، مُتناسين في ذلك أنهم كانوا جُزءٌ من تجمع المعارضة في مؤتمر أسمرا للقضايا المصيرية أول تجمع سياسي تقر فيه قوى سياسية شمالية حَق تقرير مصير الجنوب سابقة اتفاقية السلام الشامل بعقد من الزمان، أمَّـــــا الأطروحة الثانية فهي التعويل على عدم شرعية الحكومة عقب انتهاء أجلها والحيلولة دون قيام الانتخابات، وبينما كانت المعارضة تغط في ذلك النوم العميق، كان طائف الحكومة يُعد مُبادرة سياسية لا يملك أحد القدرة على رفضها لأنها تطرح ولأول مرة كل شئ على الطاولة من خلال إصلاح الدولة وإطلاق مُبادرة الحوار الوطني بشقيه الحزبي والمجتمعي.

حاشية :

لقد استطاعت أحزاب الحكومة جلب المعارضة إلى ملعبها وان تفرض عليها أسلوبها ، فلم يكن ثمة جند سياسي يتقدم على الحوار الوطني حتى لدى المُعارضة التي تتحدّث عنه ولو بالتشكيك في جدية الحكومة فيه أو وضع اشتراطات مُسبقة لدخولها فيه لكنها لا تقوى على رفضه مُباشرة حتى لا تفقد حجيتها السياسية التي تقوم على خطاب سياسي قطعت عليه مُبادرتي الحوار والإصلاح الطريق. وإذا كانت المُعارضة تشكك في أنّ هدف الحكومة من وراء طرح الحوار تكتيكي بغرض الانتخابات فقد انتهت الانتخابات ولم تَتَراجع الحكومة عن الحوار برغم فوزها، وإذا كانت الحكومة ترى أن المُعارضة قبلت بالحوار تكتيكياً لأجل تأجيل الانتخابات كشرط مُسبق، فقد جاءت اللحظة التي ينبغي على المُعارضة أن تثبت جديتها في انتهاج الحوار وسيلة لحل قضايا السودان، ومن ثم إبداء ما تشاء من آراء مُخالفة للحكومة في داخل المداولات. فهي أمام امتحان في حوار ليس اقتسام السلطة بين المُتحاورين جزء من أجندته، فيَا له من امتحانٍ عسيرٍ!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.