مرتضي شطة – الحوار الوطني و(بيت العجوز)

أصبح طفلي ذو السنوات الثلاث مولعاً بنشيد يدرس ويحفظ في رياض الأطفال ضمن منهجها الرسمي ،فهو كلما وجدني في متسع من الوقت وبلكنة لم تستبين مخارج الحروف بعد يقول في جزء من النشيد (حصاني كبير وبجري شديد ،وانا فوقو كأني أمير ،أخش الجامعة وأبقى وزير ،وأريح بابا وماما في السرير ،أنا فنان أرسم بابا بالألوان، أنا فنان ارسم ماما بالألوان،وأحب وطني السودان). دعونا فقط نخرج من هذا النشيد بجزئيتين :الأولى ان الطفل يرتبط لديه التخرج في الجامعة ومقدرته على إسعاد والديه بان يكون مباشرة وزيراً ، والثاني ارتباط حبه لوطنه السودان بهذه الصورة الذهنية وهي ان يكون وزيراً. هذا المشهد تكرر لدي عندما دربت مجموعة من القيادات المجتمعية من ولاية تشهد توترات في مجال التخطيط الاستراتيجي المؤسسي والشخصي ،فكانت اجابة أحد طلاب الجامعة وهو في سنته قبل الأخيرة حول ما هي خططه عقب التخرج بانه سيصبح والي الولاية أو نائبه!! أجمع هاتين الصورتين لأوضح الخلل المنهجي في مناهجنا التعليمية وتنشئتنا الاجتماعية ، فاذا كانت هذه هي الآمال والتطلعات الشخصية التي نغرسها في مئات الآلاف من أطفالنا في مرحلة مبكرة أثبتت دراسات حديثة أجريت في جامعة هارفارد وجامعات غربية ذات سمعة بحثية ومكانة علمية مرموقة بان أكثر السنوات حساسية في تكوين شخصية الانسان هي سنوات الطفولة الباكرة ما بين سن الثالثة والخامسة وهو الوقت الذي يدرس ويحفظ فيه أطفالنا هذه الأناشيد ، فكيف لا نتوقع ان تكون النتيجة هي وجود ما يقارب المائة حزب سياسي واكثر من ثلاثين حركة مسلحة متشظية ،وكلا الظاهرتين تجسدان وسيلة تحقيق للهدف القديم وهو الاستوزار ،فكل واحد حريص على ان ينفصل عن حزبه ليكون حزباً آخرا يكون فيه هو القاطر لا المقطور ،وتؤول المحاصصة في السلطة له ولصفه الأول ،ثم ينفصل الذين لم تصلهم حصة السلطة ليكونوا حزباً وهكذا دواليك ،والمسألة في الحركات المسلحة أكثر وضوحاً من الأحزاب .
حاشية :
لقد أعجبت جداً بمداخلة المهندس عبد الله علي مسار في الجلسات الأولية للحوار الوطني يوم افتتاح الحوار ،بأن مشكلة الأحزاب السياسية التي قاطعت الحوار والذين يتحاورون هي ليست في الحريات ولا الاقتصاد ،انما في الحكم ،وانهم يريدون السلطة التي كنى عنها بـ(بيت العجوز)،وهذا بالفعل ما تقره العلوم السياسية بأن الوصول الى السلطة كهدف جزء أساس من تعريف الحزب السياسي. ان الذي يتوجب الوعي الاستراتيجي به هو أساليب التنشئة السياسية والاجتماعية والمناهج التعليمية وخطورتها على مستقبل الوطن ،فهناك أخطاء استراتيجية بجعل جل السودانيين ساسة منظرين بدلا عن ان يكونوا عمالاً منتتجين ،ولن تسعنا كل دول العالم وحكوماتها حتى يصبح كل أطفال اليوم وزراء في مستقبل الحكم ،فعلينا أن نتراضى على آليات وكيفيات الحكم وثوابت تداول السلطة وعدالة المشاركة فيها وتوزيع الثروات ومحاذير النماذج السلبية ،وسيجد كل صاحب كفاءة طريقه إلى السلطة بكسبه وجماهيره.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.