مرتضى شطة – الحوار الوطني وبناء الثقة…

تقول طرفة رائجة ان زوجاً اصطحب زوجته الى متجر لبيع المجوهرات وقال لها أريد أن أشتري هدية لوالدتي فاختاري لها أفضل ما ترينه مناسباً، سرت الغيرة في نفس الزوجة فاختارت هدية أقل في الشكل والسعر لحماتها ، فغلفها زوجها وعادا الى البيت، وبعد قليل أحضر الزوج تلك الهدية المغلفة وقدمها لزوجته قائلاً: (هذه الهدية لك، أردت فقط أن تختاريها بنفسك لأنّ اختياري قد لا يعجبك، وأردت أن اجعلها لك مفاجأة). هذه الطرفة تفسر لدرجة كبيرة العلاقة بين الحكومة وأحزاب المعارضة في الحوار الوطني. فقد كانت الحكومة جادة في طرحها لمبادرة الحوار لكن لم تتجاوز تلك الأحزاب والحركات المسلحة محطة فقدان الثقة المُتبادل بين الحكومة والمعارضة، وكانت ترى كل تلك التحركات التّمهيدية المُطولة مجرد ديكور تريد الحكومة التزيُّن به لتحسين مَظهرها السياسي، فلم تكترث بالمخرجات التي يمكن أن يتوصّل إليها الحوار ومدى إمكانية ان تجد نفسها خارج المسرح السياسي اذا ما نَجَحَت العملية وأفضت الى نهايات وفاقية سعيدة للشعب السوداني، ولم تحتاط على طريقة تحذير الأنبياء في الدعوة لقومهم الذين كذبوهم بأنّهم اذا كذبوا كرسل فعليهم كذبهم لكن اذا كانت الدعوة صادقة وكذبوها فقد فاتهم خير كثير ووقعوا في خسران مُبينٍ. وما ان انطلقت الجلسة الافتتاحية وبدأ حوار جهير أُتيحت فيه الفرص لأكثر من ستين شخصاً من المشاركين في المؤتمر في جمعيته العمومية من منسوبي الأحزاب السياسية والشخصيات القومية، عبّروا فيه عن آرائهم في مختلف القضايا المطروحة في المحاور الستة بكل جرأة في جلسات استمرت عقب الجلسة الافتتاحية لأكثر من ثلاث ساعات جلس فيها رئيس الجمهورية مترئساً للجلسة موزعاً الفرص بالتساوي مستمعاً بكل رحابة صدر للرأي الآخر والشعب كله شاهد على ذلك عبر البث الحي الذي قدمته فضائيتا الشروق والسودان، فاستبان الشارع والاحزاب والحركات ان ثمة جدية لم تكن متوقعة، فبدأت تتلمس خطاها، فعاد قادة معارضون من الخارج وجاءت حركات مسلحة وقادة ميدانيون لحركات مسلحة من الميدان الى لجان الحوار الست التي يدور فيها نقاش موضوعي وعميق وصريح، الامر الذي جعل صدى الحوار الجاد يصل الى القادة الميدانيين بالحركات المتمردة واخذوا يقبلون على إعمال اللجان ليقولوا خطابهم الذي كانوا يعتقدون ان فوهة البندقية هي فقط التي يمكنها إيصاله حتى لو يتجاوزوا قادتهم السياسيين المُقيمين في الفنادق بالعواصم الغربية.

حاشية:

ها هي الأحزاب تتزايد لتبلغ مائة وعشرين حزباً مُشاركة في الحوار وجلسات اللجان الفرعية وثلاث وعشرين حركة حاملة للسلاح، وأخذت الأحزاب تستشعر جدية وصدق الطرح فَشَرعت ترفع من مستوى تمثيلها لتضع كبار قادتها وأهــل الاختصاص منهم في كل محور ليعبروا عن وجهات نظرها التي لا تحتاج لمن يلقيها كموقف سياسي فقط كما اعتادت على ذلك، بل لمن يوضحها ويفككها ويعيد تركيبها مع الأفكار المطروحة للوصول الى منطقة وسطى، واذا استمر الحوار بهذه المصداقية فإن مصير المقاطعين إما أن يلتحقوا بالحوار الوطني أو لن يتبقى لهم طرح سوى الحصول على السلطة ليقدموه فيكون غير قابل للهضم حين يحسم صراع الهامش والمركز لصالح الهامش ومصلحة المركز، وتطلق الحريات وترسم خارطة الاقتصاد والعلاقات الخارجية لمصلحة الوطن. لكن أين الإعلام من كل هذا الحوار التفصيلي حول القضايا المطروحة؟ أكرِّر مُناشدتي لأجهزة الإعلام ان تتحول الى ساحة للحوار حول قضايا الحوار وليس الجوانب الإجرائية فيه حتى يطّلع الإعلام بدوره كشريك وليس مجرد ناقل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.