مرتضى شطة – عام مضى! وأي عام هو أمّاه؟ !

إنه يوم الثلاثاء الثاني من صفر للعام 1436 هجرية ، كنت أشارك الاسرة التناوب على خدمة الوالدة بتول بنت الأنصاري وهي ترقد طريحة الفراش في غيبوبة إثر علة مفاجئة بالكبد دخلت ذلك الفجر يومها السادس في غرفة الإنعاش تحت مراقبة الأجهزة وأنفاس الأكسجين الصناعي،بعد الشروق كانت مناوبتي الأولى ، مكثت لنصف ساعة ثم مضيت لأخذ والدها حاج الأنصاري إلى مستشفى آخر لإجراء عملية جراحية دقيقة وهو في التسعين من عمره.وفي طريق عودتنا إليها مساءً جاءتني المهاتفة بأنها قد فارقت الحياة ، وأنا أعيد شريط ذلك اليوم أجدها قد أعدتني تماماً لمقابلته منذ سنوات عديدة ، استقبلت الخبر بتوحيد الله عز وجل ثم واصلت القيادة إلى المستشفى ، وكانت عباراتها التي تذكرنا بها أن نستقبل المصائب بتوحيد الله (لا اله الا الله ولا حول ولا قوة الا بالله) وان نقول وفقاً للسنة (اللهم أجرني في مصيبتي هذه وابدلني خيراً منها)، وحين كانت النساء يحاولن البكاء عليها في انتظار التشييع ، وجدت نفسي أقف لأذكرهنّ بأنها قد أوصت بالا يبكي عليها أحد حتى لا تُعذب بذلك ، وجدت برنامجا ما موضوعا في عقلي الباطن يديرني دون ان أشعر بما اعدتنا به واطلب من النساء المجتمعات أن يدعون لها بالرحمة والمغفرة إن كن يردن لها الخير، ووجدت كلماتها التي استقبلت بها وفاة والدتها قبل خمسين يوماً فقط وهي تضعها على القبلة وتهيئها وتقول لهم إنها تحتضر ، وتكرر (إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر ،إن الله لا يخلف الميعاد)،كانت خير ما نرد به من لم يتصبر من الأهل والمعارف، واقسم أن الآية الكريمة التي ذكرتها أعلاه لم تستوقفني في التلاوة إلا بعد وفاتها كموقف سيدنا عمر يوم وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم حين قال كأنه لم يسمع من قبل قوله تعالى (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم. …الآية) يوم تلاها سيدنا أبوبكر الصديق رضي الله عنه وعن سيدنا عمر.لقد كانت الوالدة رحمها الله صاحبة مدرسة في استقبال مصيبة موت الأعزاء لن يصدقها إلا من شاهدها، وقد عايشتها بحكم ترتيبي السني بين اخوتي وهي تستقبل ثلاثة من اخوتي الصغار من جملة سبعة احتضروا بين يديها ما بين عمر عشرة شهور إلى سنة وبضعة شهور، كانت تضعهم في الوجهة الصحيحة نحو القبلة وتغمد لهم أعينهم ناطقة بالشهادتين، ثم تذكر الحاضرين بأن لا دائم إلا الله وتعلن للنساء انها احتسبتهم لتجدهم شافعين لها في الجنة، ثم تطلب كفنا وتقوم بتغسيلهم وتكفينهم ، وهي تردد في يقين (أحكام الله مرضيات، أن أجل الله إذا جاء لا يؤخر)، كانت تردد مذكرة إيّانا بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم بأن أعمار أمته ما بين الستين والسبعين، ولم نكن لندري أنها ستغادر في عمر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وثلاثة من الخلفاء الراشدين عند الثالثة والستين.

حاشية:

لا أزال اكتشف في كل يوم أن بنت الأنصاري حافظ القرآن قد احسنت تربيتنا في مكوننا المعرفي الأساسي في الدين والتعامل مع الحياة حتى بعد أن كبرنا ونهلنا بأنفسنا من المعرفة ، لدرجة أنني أجد في كل موقف وصية أو مقولة أو مثل شعبي أو سجعا من نظمها يكون لي مرشدا في التصرف في عام تلى وفاتها. لقد كانت تذكرنا بكل دعاء قرأته أو فضل قراءة بعض السور والآيات أو أي عمل صالح علمته، فهي كانت ذات ذاكرة حاضرة لا تزال تحفظ اناشيد المرحلة الأولية حتى أيامها الأخيرة ، اللهم أدعوك أن تجيب دعاء كانت تردده باستمرار استعدادا لهذا المصير (اللهم ارحمنا اذا عرق منا الجبين, و كثر الانين, و يئس منا الطبيب, و بكى علينا الحبيب,اللهم ارحمنا اذا وارانا التراب, و ودعنا الأحباب , و انقطع عنا النسيم, وفارقنا النعيم ،اللهم ارحمنا اذا نسي اسمنا وبلي جسمنا, و اندرس قبرنا, و طوي
ذكرنا، فلم يذكرنا ذاكر و لم يزرنا زائر, اللهم ارحمنا يوم تبلى السرائر, و
تبدى الضمائر, اللهم ارحمنا يوم و تنشر الدواوين, و توضع الموازين. اللهم ارحمنا يوم يتفرق الفريقان فريق في الجنة وفريق في السعير).اللهم آمين يارب العالمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.