د.سامية علي – عجبا لهذه الجبهة الثورية !!

تعجبت لما توصل اليه لقاء ما يسمى بقوى نداء السودان الذي انعقد في باريس واصدر مقرراته نهاية الاسبوع الفائت ، اذ انه اقر الاتفاق على تكوين مجلس رئاسي ، وتصفية النظام الحالي واحلاله بحكومة قومية انتقالية ، عبر خياري اما القبول بانتقال متفاوض ، او انتفاضة تزيح الحكومة ..

فقوى نداء السودان تضم الجبهة الثورية (حركات مسلحة واحزابا) وتحالف قوى الاجماع الوطني وحزب الامه القومي ومنظمات مجتمع مدني ، ومبعث العجب ، ان هؤلاء قد تمت دعوتهم جميعا للحوار الوطني الذي بدأت فعالياته منذ شهر وتستمر الى شهرين اخرين ، وتطرح عبر هذا الحوار كل قضايا وازمات السودان على طاولة النقاش والتحاور .

فكيف لهؤلاء ان يجتمعوا بالخارج ويثيروا قضايا من شأنها ان تجهض جهود الحوار وتنسفه ، طالما انهم يثيرون القلاقل ويحرضون المتحاورون على عدم الاتفاق حول القضايا مثار الخلاف ، بينما تبذل لجان الحوار جهودا عظيمة لتقارب الشقة بين المشاركين في الحوار حكومة واحزابا معارضة وحركات مسلحة ، عبر الملفات والمحاور الستة التي حددها الحوار (السلام والوحدة والحكم والاقتصاد والعلاقات الخارجية) ، لتخرج بمقررات تصبح منهجا للحكم في السودان .

والملاحظة الجديرة بالتوقف عندها ، ان ذات المقررات التي خرج بها لقاء نداء السودان ، هى ما تفصح عنها احزاب المعارضة بلجان الحوار ، فهى دائما ما تثير وتتمسك باهمية ان تكون للحكم فترة انتقالية بحكومة مؤقته برئاسة شخصية قومية متفق عليها مع تحديد صلاحياتها ، ومجلس وزراء مكون من (20) وزيرا فقط لا تزيد عن ذلك ، ومجلس وطني معين من مائة عضو ، لتقود هذه الحكومة البلاد لمدة عامين ، وتضع الدستور وتعدل القوانين وتجري الانتخابات للحكومة الجديدة .

وهى ذات القرارات التي تضمنها البيان الختامي للقاء باريس ، بما يشير ويؤكد تماما ان المعارضة الخارجية والحركات المسلحة هى التي تحرض وتغذي افكار هؤلاء المشاركين في الحوار ، وهى بالطبع لعبة مكشوفة هدفها الاساسي تفكيك الحكومة الحالية ، كما كشفت عنها بوضوح قرارات باريس ، اما معارضة الداخل فقد وضعت لها اطارا مموها حينما اتفقت ان يكون رئيس الحكومة الانتقالية الرئيس البشير ، لتقبل احزاب الحكومة بالمقترح ، ويسهل ازاحته في الوقت الذي يريدونه .

وفات على هؤلاء ان الرئيس البشير ، جاء للحكم عبر شرعية انتخابية ، باختيار الشعب السوداني ، وبالطبع لن يذهب عن سلطة الحكم الا بعد نهاية الدورة الحالية التي تنتهي في العام 2020 ، لذا فعليهم ان يبحثوا عن طرائق اخرى لتفكيك الحكومة ، فما يسعون اليه عبر هذه الالية لن يحدث .

والجبهة الثورية التي تتبنى لقاء نداء السودان ولقاءات اخر ، الان هى في اضعف حالاتها ، اذ تواجهها شبح الانقسام ، بعد الخلافات التي ضربت قيادتها ، ولا زالت تلاحقها الخلافات والانشقاقات ، فكيف بها تتبنى قضايا وطنية كبرى ، كيف بها تتحدث عن حكومة وسلطة والتي فشلت في ان تدير شأنها الداخلي ، كيف بها تتحدث عن اعادة توطين النازحين و اعمار ما دمرته الحرب وهى التي اشعلتها وشردت المواطنين وتسببت في نزوحهم .

حقا عجبا لهذه الجبهة الثورية التي صارت ليس لها (جبهة) بل ظلت وتظل تثأر على نفسها وثور على عضويتها وقادتها ، قد ضربت اطنابها الانقسامات والتشرزمات ، عجبا لها وهى تصدر القرارات والمقررات وتضع الاطر والمناهج لكيف يحكم السودان ومن يحكمه ، عجبا لها وهى تصدر قراراتها تلك وهى تتكفف دول الغرب لتمنحها حفنة من الدولارات لتعيش في افخم الفنادق وتنعم برغد العيش، بينما ذويها وبني جلدتها يحترقون ويشردون وينزحون .

عجبا لها وهى ما فتئت تحرض المعارضة للانقلاب على الحكومة وان كانت النتيجة حمامات من الدماء واكوام من اشلاء البشر ، عبر البندقية والاستنصار بالاجنبي ، بيد انها فشلت كثيرا ثم طفقت تبحث عن وسائل اخرى ربما تصل الى ضالتها عبر التظاهرات الشعبية وحملة ارحل ، وهذه فشلت ايضا ، او عبر الحصارات الاقتصادية والعسكرية وتحريض دول الغرب والدول العربية لتضييق الخناق على السودان وحكومته ، وايضا فشلت ولا زالت المساعي تتواصل واخرها ما طالب به ياسر عرمان المملكة العربية السعودية بعدم تمويل السدود والتي تم الاتفاق عليها عبر توقيع اتفاقيات بحضور رئيسي البلدين (البشير والملك سلمان) ، فعرمان يرمي من وراء ذلك استمرار الحصار الاقتصادي على السودان ، وهذا ما لن يناله فالمملكة ليست اسرائيل حتى ترضخ لنداءاته.

عموما فما يصدره نداء السودان سيكون مصيره كقراراته السابقه التي ذهبت مع الرياح ولم يعد لها اثر على الواقع السوداني .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.