مسارات عديدة وآمال عريضة:أديس أبابا.. كل البيض في ذات السلة

الخرطوم: يحيى كشة:

جسدت الحالة السياسية السودانية ما ذهب إليه علماء الفيزياء بأن “الأقطاب المتشابهة تتنافر”؛ لكن لا بأس أن تحاول الأطراف على تضادها التصافح على قمم الهضبة الأثيوبية ومحاولة الوقوف المتكرر عند محطة التفاوض حول المنطقتين ودارفور من جديد. إنها المحاولة غير المعدودة في قاموس حساب الحلول الممكنة للقضايا المعقدة، وربما نتوقف لنبدأ من جديد في أديس أبابا التي وصلتها وفود أطراف عملية التفاوض كافة ما عدا عبد الواحد محمد نور وحركته “تحرير السودان”. “ريدسون بلو” الفندق الأنيق بوسط العاصمة الأثيوبية، يتحسس اليوم حركة غير عادية وسط مرتاديه الذين حزموا حقائب الرحيل إلى مدن عديدة من قبل بحثاً عن ذات المقصد (السلام) في الجولة العاشرة والتي ربما ستكون الأخيرة من فواصل أزيز الرصاص.

الخرطوم قالت إنها تستعد بأكثر من وفد رسمي في التفاوض مع الحركات المسلحة في أديس أبابا، أحدهما يختص بقضية منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان برئاسة المهندس إبراهيم محمود حامد مساعد رئيس الجمهورية، نائب رئيس حزب المؤتمر الوطني، الذي خلف البروفيسور إبراهيم غندور وزير الخارجية الحالي، الذي ربما يقود وفدا غير معلن إلى هناك للقاء الإمام الصادق المهدي زعيم حزب الامة القومي وقيادات دارفور، ووفد آخر برئاسة د. أمين حسن عمر مسؤول مكتب متابعة سلام دارفور للتفاوض حول قضية دارفور، وفي الجانب الآخر أعلن السفير محمود كان رئيس مكتب اتصال الاتحاد الافريقي بالخرطوم، أن جميع حركات دارفور وقطاع الشمال أرسلت موافقتها وسمت وفودها عدا حركة عبد الواحد محمد نور.
محاولة الأطراف لاتقان درس الحساب لتعلم الجمع بين الحوار الوطني ورافضيه؛ يدفع بالتفاوض عبر مسارات عديدة متزامنة يسعى أطرافها – كل من وجهة نظره- إلى نيل شرف الانتصار للوطن ووقف نزيف الدم بواسطة أبنائه مع اختلاف لافتات النضال التي تمزقت معاييرها الموضوعية لدى البعض، فتعددت خيارات بعضهم في كيفية ضياع الأمن وحياة الكثيرين.
مسارات التفاوض المتعددة تمنح حيوية الوصول إلى إتفاق إن صح العزم ونوايا الأطراف هناك لجهة وجود “البيض كله في سلة واحدة” حال ابعاد حجارة المصالح عنه، فالخرطوم التي استبقت الجولة بمؤتمر صحفي قصير اليومين الماضيين لرئيس وفدها أطلق خلاله رصاص الكلمات على ملاقيه ياسر عرمان من الجانب الآخر حد تجريده من الوطنية لتحريضه الداعمين للدولة؛ يقول إن وفده مستعد لتجاوز نقطة وقف إطلاق النار إلى سلام دائم وحلول غير مؤقتة بإحراز النسبة الكاملة التي وصل فيها الطرفان حسب محمود إلى (90%) في الجولات الماضية، لكن فيما يبدو أن الطرف الثاني سينتقل من تلك المحطات إلى أخرى مترحلة في كل جولة، وصلت في سقفها الماضي إلى الحل الشامل ومعالجة كل القضايا ذات الصلة بالبلاد عبر منبر أديس أبابا وليس كما تتمناها الخرطوم تحت قبة قاعة الصداقة وعبر جلسات الحوار الوطني الذي يترقب كل حين ضم المزيد إلى عضويته.
سقف الشروط والمطالب يتقاصر عنه طرفا التفاوض لجهة أن الوفد الحكومي يحمل “مانديت” لا يتعدى في حدوده الوصول إلى سلام حول المنطقتين وسيرفض أي اتجاه لإنزلاق التفاوض إلى جب القضايا التي محلها الحوار الوطني، في وقت يحمل قطاع الشمال الذي هو جزء من قوى تحالف (نداء السودان) مخرجات إجتماع باريس الأخير الذي جاءت أبرز عناوينه السعي إلى حكومة إنتقالية وإقامة إنتخابات مبكرة ودونهما الانتفاضة الشعبية، وأنه سيفاوض على ذات السقف المتفق عليه في عاصمة النور ما سيخلق بونا شاسعا بين الفريقين المفاوضين في الأجندة المطروحة حال لم تتدخل الوساطة وتعيدهما إلى طريق المنطقتين.
الفريق الآخر بالقاعة المجاورة لمفاوضات المنطقتين، يقوده د. أمين حسن عمر بغية الوصول إلى وقف إطلاق نار ومنح ضمانات لمشاركة حركات دارفور في الحوار الوطني، فالوضع بهذه القاعة على ما يبدو ذو طبيعة أمنية بحتة لا يميل إلى الإطالة في الوقت الذي ربما لن يتجاوز اليومين أو ثلاثة أيام على الأكثر بمرجعية وثيقة الدوحة للسلام في دارفور.
الخرطوم التي أعادت النظر كرّتين على الأقل حينما حزمت حقائبها إلى أديس أبابا، بدت واثقة من موقف الدوحة راعية السلام في إقليم دارفور، ويرى البعض أن هذا الأمر حال تم دون ترتيب معها ربما يدفعها إلى أن تنسحب من الملف دون عودة خاصة مع تراجع الوضع الإقتصادي للدولة الصغيرة بتراجع أسعار النفط عالمياً وما طرق آذانها بأن ملف دارفور على الصعيد التنموي ما يزال بعيداً، بجانب معركة أطراف وثيقة الدوحة التي بعثرت خلال احتفالات السلطة الإنتقالية بالمصفوفة (ب) كلمات تشير من أحد الأطراف لوجود بعض المفاسد في عمل المشروعات، فقطر يمكن أن تنسحب من ملف دارفور ببساطة إن لم تفلح الخرطوم في إدارة الملف بشكل جيد وبتنسيق يمنع قطر من الحديث عن تبديل منبر التفاوض أو التفاوض نفسه على أسس غير وثيقة الدوحة التي وجدت قبولاً ومشاركة كبيرة من أهل الإقليم أنفسهم.
فريق غندور غير المعلن يرى البعض أنه بمثابة قوات دعم سريع لكون الرجل تمرس على منازلة قطاع الشمال بأديس في جولات عديدة ويعرف أقصر الطرق المؤدية إلى التسوية إستناداً الى الجولة الأخيرة وقدرة الرجل على معرفة الإنفعالات غير القابلة للبوح والتي لا تقال في تسجيلات الصحفيين.
الخرطوم الحالمة بالوصول إلى سلام في جولة التفاوض العاشرة، ترى في التسوية مدخلاً لعقد لقاء تحضيري وليس مؤتمراً تحضيريا مع الحركات ينضم إليه زعيم حزب الأمة القومي الإمام الصادق المهدي إستناداً على خارطة الطريق ووثيقة أديس أبابا العام 2014م والتي تضم د. غازي صلاح الدين وإن لم يذكر في تصريح الناطق باسم الحكومة أحمد بلال عثمان أمس، فزعيم حركة الإصلاح الآن كله ثقة في أن الخرطوم ستوافق على قيام المؤتمر المرفوض – بالشكل المطروح- لدى غالبية مسؤولي الحزب الحاكم ومنسوبي الحكومة ذوي العلاقة بالمفاوضات إلى جانب منسوبي آلية الحوار الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.