محمد عبدالقادر – نادية عثمان… عندما تموت الابتسامة

كنت مهتما جدا بـ(ابتسامتها الجسورة) لانها تخبرني على الدوام بان اختي الراحلة الاعلامية نادية عثمان مختار تتمتع بطقس داخلي معتدل في كل الاوقات ومهما قست الظروف.
طاقة التفاؤل الكامنة في دواخل نادية كانت كفيلة بتبديد اي حزن مهما طال وتمدد رغم علمي بما تحمله من مآس وشجن وانكسارات قهرتها بجيش من الابتسامات الناصعة.
لم اجد في حياتي شخصا يعبر فوق الازمات بطلاقة المؤمن المتوكل مثل نادية عثمان مختار، وما سمعت صوت نادية ينسرب الى دواخلي بهيا وضاحكا الا وتسللت الى دمائي دفقة من الحياة وهطلت على شراييني اضواء ناعمة تخبرك عن مواطن الوعي والتميز والاستثناء في امرأة سودانية تدمن السودان تعشق وردي وتتنفس محمد الامين تحب الشعبية وتفخر بالقاهرة، توقر الصحبة وتحتفي بالامثال والكلمات تمتهن الشعر الفضاح وتخلص كثيرا للاصدقاء والذكريات.
نادية كانت تقبل على الحياة بشهية مفتوحة ،تدير معها حوارا متصلا عبر المواقف والقصائد والكتابات تمارس اقداما في معتركاتها الوعرة دون ان ينالها التعب او تنتهي في دواخلها اشواق الخير والاحلام البهية.
ظلت نادية تمارس وعلى الدوام تواصلا وفيا مع محيطها الاسري والاعلامي ، تكون قريبة من كل معارفها تختبئ في اسرارهم، تحفظها، وتتوهج في حياتهم تسكنها، قبس من الحكمة والرأي السديد وطاقة من الوعي لا تنفد ولا يصيبها الوهن..
نادية ومع كل هذا المشوار المحتشد بالحيوية والضاج بالحياة في شروقها المبهر لا تنسى ان تغرس في وعيك رسالة تقول انها سترحل في يوم ما، تنكفئ على حزنها لرحيل (ابو ايمان) فتبرم معه موعدا في الجنة، تحدثك عن والدها عثمان مختار فتشعرك ان الحياة بعده (لعب في الزمن الاضافي)، تكثر من نعي (الدنيا ام قدود)، وتتصالح مع بهاء المتصوفة داخل روحها الطفلة فتحملك عبر انتقالات موغلة في الزهد الانيق وفي البساطة العميقة ولا تفارقك قبل ان تضع )اكلشيه( ودود لرفقة قادمة..
الادلة كثيرة على نقاء نادية واتصالها بالعالم الآخرحلما وفكرة،عاشت مرهقة باوجاع الغير،تلمس في حياتك مواطنا لا تراها انت ، تتحسس تفاصيلك باسئلة دافئة لتضعك على محطات (حنينة) ، مؤمنة تجمع بين براءة الاطفال ودربة وحكمة الشيوخ، تمزج جسارة الفرسان برهف المرأة ونعومتها، نقية مقدامة مثقفة وذكية ، كانت مثالية في كل شئ حتى (امومتها) وحبها لزوجها الراحل ولابنتها فلذة كبدها ايمان.
نادية عثمان فكرة اشرقت في حياة الكثيرين فملأت قلوبهم بالامل والثقة في الناس، مخلصة ودودة واعية،وصاحبة حياة خالية من الاعداء ومنزهة عن الخلافات، بامكانك ان تضبط على توقيت نصحها ايقاع الحلول، وتطمئن الى انك تصادق وتؤاخي وردة تجود عليك بالعطر والنصيحة والوفاء.
نادية عاشت محتشدة بالمواهب وماتت موارة بالعبر، مجموعة من الانقياء كانوا يختبئون في دماء نادية ليمنحوننا مؤسسة ملائكية وموهبة اعلامية وقامة انسانية تكتب الشعر تصنع الفرح تقهر الاحزان وتطوع الكلمات رحم الله نادية مختار، والهم آلها وذويها الصبر وحسن العزاء، إنا لله وإنا إليه راجعون، واسأل الرحمة ايضا للراحلة شقيقتنا الصغرى الاستاذة فاطمة خوجلي التي اصيبت في الحادث المشؤوم لتلحق بنادية في عليائها بعد اسبوعين من رحيلها..
في هذا الشهر الفضيل الذي كانت نادية فنجان قهوته وروحه الوثابة للفضائل نسأل الله وبنهاية ايام المغفرة وبداية ايام الرحمة ان يغفر لنادية ويرحمها ويدخلها مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا..
* يعاد نشره في الذكرى الثانية لرحيل نادية.. اللهم اغفر لها وارحمها..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.