الخوف من «التفاصيل»:مفاوضات أديس.. جدل (المسودات)

رصد: عوض جاد السيد

ما بين مساء الخميس التاسع عشر من نوفمبر الحالي ومساء الجمعة العشرين من ذات الشهر، تحرك مؤشر أنفاس التفاؤل كثيرا صعودا وهبوطا مع كل جلسة وكل تصريح إيجابي أو العكس، والكل يرنو إلى ما يمكن أن يخرج من جولة التفاوض الجديدة بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية قطاع الشمال حول منطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان، من جهة، ومع حركات دارفور حول وقف العدائيات، من جهة أخرى، مع تزايد اهتمام الوساطة الأفريقية عبر الآلية الافريقية رفيعة المستوى بقيادة ثابو امبيكي وتكثيف جهودها للخروج بنتيجة إيجابية في هذا الجولة التي تنعقد عليها الكثير من الآمال مع حدوث كثير من المُتغيّرات على أرض الواقع، والمبادرة التي استبق بها الجانبان هذه المفاوضات بوقف اطلاق النار من كل جانب، إلى جانب اهتمام الشركاء الدوليين والإقليميّين ومبعوثي الدول الكبرى بمجريات ما يحدث هناك في ساحة فندق (ماريوت) بوسط أديس أبابا، إذ تحدثت المصادر عن توافد مبعوثي الدول الغربية الى مقر المفاوضات والاجتماع بوفدي الحركات المسلحة، وشهد اليوم الثاني بعض التصريحات التي تؤشر الى مسار التفاوض في المرحلة القادمة، وإن جاءت مختلفة عن لغة اليوم الأول.

إبراهيم محمود: الأجدى هو المضي لوضع حدّ للحرب ومن ثم تتاح الفرصة للجنة (7+7) للحضور إلى أديس

د. أمين: مسودة التفاوض اشتملت على مواضيع خارج إطار تفويض الوفد

حسين حمدي: ورقة الوساطة تعبّر شكلاً ومضموناً عن الحركة الشعبية قطاع الشمال

قطاع الشمال: نحتفظ بالحق في إبداء الملاحظات في الوقت المناسب

وفد من (7+7)
وعكف وفدا التفاوض طوال نهار امس الجمعة، على تحضير ردودهما على مقترحات الوساطة، على أن يتم تسليمها مساءً الى الوساطة الافريقية. فيما أعلن رئيس وفد الحكومة لمفاوضات المنطقتين المهندس إبراهيم محمود حامد مساعد رئيس الجمهورية، نائب رئيس المؤتمر الوطني لشؤون الحزب، عن اتفاق مع آلية الوساطة الأفريقية رفيعة المستوى على إتاحة الفرصة لوفد من آلية (7+7) للحضور الى أديس أبابا والتباحث مع الحركات المسلحة حول كيفية إلحاقهم بالحوار الوطني. وقال مساعد الرئيس في تصريحات مساء أمس، إن الآلية الأفريقية رفيعة المستوى، طرحت عليهم ورقة ركزت فقط على وقف العدائيات، بينما جاء وفد الحكومة لأجل سلام دائم. وأضاف “ قدمنا ورقة فيها كل التفاصيل للوصول لسلام دائم حسب ما تم الاتفاق عليه في الجولات التسع الماضية بيننا والآلية والحركة الشعبية، تبقت قضايا لا تتجاوز (10%)، ونعتقد أن الأجدى هو المضي لوضع حدٍّ للحرب ومن ثم تتاح الفرصة للجنة (7+7) للحضور الى أديس، ومناقشة مندوبي الحركتين في كيفية انضمامهم للحوار الوطني”. وأوضح محمود حسب موقع (سودان تريبون) أمس، اعتزامهم العودة الى الخرطوم، وإخطار آلية الحوار الوطني باعتبارها واضعة التدابير وصاحبة المبادرة في خارطة الطريق لتأتي وتناقش مندوبي الحركات تمهيدا لمناقشة قضايا السودان في مؤتمرالحوار الوطني. وبشأن قضايا المنطقتين قال رئيس وفد الحكومة، إن رؤيتهم استقرت على الاستمرار في ما تم الاتفاق عليه في الجولات السابقة، حتى لا تكون البداية من نقطة الصفر، والعمل على حسم الخلافات القليلة المتبقية، وأضاف “نحن لا نرى سببا لنناقش فقط وقف عدائيات ليس لها علاقة بعملية السلام وإيقاف الحرب”.

مسار المنطقتين.. ملاحظات وتحفُّظاديس
تصريحات الوفد الحكومي عقب الجلسة الأولى التي انعقدت صباح امس، حملت نوعا من عدم الرضا نحو المسار الموضوع لعملية التفاوض، إذ صرح د. حسين حمدي عضو وفد التفاوض حول منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق بأن الوفد أبدى تحفظه على جدول الأعمال الذي تقدمت به الوساطة وأن هناك عدة ملاحظات حول الوثيقة التي قدمها فريق الوساطة الأفريقية لتكون مرجعا للحكومة وقطاع الشمال حول المنطقتين، وقال حمدي إن الوفد الذي يترأسه المهندس إبراهيم محمود حامد مساعد رئيس الجمهورية، نائب رئيس المؤتمر الوطني لشؤون الحزب، حضر للمفاوضات بهدف محدد وهو التسوية النهائية والحل الشامل لقضية جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق عبر التداول حول الوثيقة الإطارية التي سبق أن اتفق حولها الطرفان في الجولات السابقة بغرض استكمالها واعتمادها ومن ثم الدخول في الإجراءات العملية لتنفيذها. وأوضح حمدي أن الوفد حينما حضر الجلسة الافتتاحية الأولى وجد أن جدول الأعمال يتضمن فقط وقف العدائيات بغرض المشاركة في الحوار الوطني، ونبه إلى أن هذا الأمر لا يلبي طموحات المجتمع السوداني ولا مجتمع جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق اللذين يتطلعان لهذه المفاوضات ويعلقان عليها آمالاً وأشواقا لوضع حدٍّ للمعاناة في كلا المنطقتين. وقال حمدي “عندما قدمنا للمفاوضات كان شغلنا الشاغل هو التداول حول قضية المنطقتين بجميع عناصرها الإنسانية والأمنية والسياسية حتى نرسم خارطة طريق لتسوية نهائية تضم كل الأطراف المتفاوضة”. وقال “ولذلك سنُصرُّ على مناقشة كل عناصر هذه القضية بصورة مترابطة”.

الحركة.. ذات المواقف
وأضاف حسين حمدي في تصريحه أمس، بأن الوفد السوداني أوضح في الجلسة المشتركة بين وفدي الحكومة وقطاع الشمال رؤيته والمتمثلة في مناقشة قضية جنوب كردفان والنيل الأزرق فقط دون ربطهما أو رهنهما بأية قضية أخرى، وأشار إلى أن وفد الحركة أعاد تكرار نفس المنهج والسلوك الذي يحاول فيه استغلال المنبر وقضية جنوب كردفان والنيل الازرق ومعاناة المواطنين فيهما كوسيلة لتحقيق أجندة لا تتصل بالمنطقتين مطلقا، وقال: لقد عقدت أمس الخميس جلسة مطولة على مرحلتين مع وفد الحركة الشعبية قطاع الشمال كان الأمل أن يصل الطرفان إلى نقاط مشتركة حتى وان جرى نقاش مسألة الترتيبات الأمنية. وذكر حمدي أن موقف الحكومة ووفدها التفاوضي هو “إذا أردنا مناقشة الترتيبات الأمنية فيجب مناقشتها بصورتها الكُلّية التي تبدأ بوقف العدائيات ثم وقف إطلاق النار الشامل وتهيئة المناخ للمساعدات الإنسانية وفق الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وتوقيعه في الاتفاقية الثلاثية التي وقعت عليها الحكومة السودانية وقطاع الشمال في العام 2012م”، ونبّه إلى أن الحركة ممثلة في وفدها يصرون على عدم تنفيذ هذه الاتفاقية وألا يتم توصيل المساعدات الإنسانية للمحتاجين في المنطقتين ويسعون إلى إجهاضها، وأشار إلى أن هذه الاتفاقية ساعد في التوقيع عليها والإشراف على تفاصيلها الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.

دراسة الورقة
وقال حمدي “إن الورقة التي قدمتها الوساطة وبالرغم من أنها تُعبّر شكلا ومضمونا عن الحركة الشعبية قطاع الشمال، إلا أننا سنعكف عليها لتدارسها وإبداء الرأي فيها ورفعها للآلية ثم الجلوس مع الوساطة لتقديم وجهة نظرنا والدفاع عنها”. وأضاف “إننا نؤكد بأن الغرض الأساسي لوفدنا هو الوصول إلى التسوية النهائية وليس تجزئة القضية ولذلك سنُصرُّ على تناول عناصر القضية الأمنية والسياسية والإنسانية كافة بصفة مترابطة دون ربط قضية منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق بأي قضايا أو مسار آخر” .
وقال حمدي إن الوفد الحكومي جدّد في الجلسة الأولى التي جرت صباح أمس، رؤيته حيث قال “أوضحنا رؤيتنا وهى مناقشة قضايا النيل الأزرق وجنوب كردفان فحسب دون ربطها بأي قضايا أخرى”، وأتهم حمدى وفد قطاع الشمال بإستغلال منبر التفاوض لتحقيق أجندة لا تتعلق بالمنطقتين مطلقاً، وتكرار ذات النهج والسلوك الذى كان يمارسه في الجولات السابقة”.

توضيحات حول مسار دارفور
في الجانب الآخر، كان وفد الحكومة لمفاوضات دارفور بقيادة د. أمين حسن عمر للتفاوض حول وقف العدائيات في دارفور دخل في لقاء مغلق مع الآلية الإفريقية برئاسة ثابو امبيكي لاطلاع الآلية حول وجهة نظر الوفد من مقترح المسودة التي قدمتها الآلية أجندةً للمفاوضات لوفد الحكومة وفصيلي العدل والمساواة بزعامة جبريل إبراهيم وتحرير السودان بزعامة مني مناوي. وقال د. أمين في تصريحات عقب اللقاء إنهم أبدوا للوساطة في هذا الاجتماع انشغالات وهموم الوفد حول ما ورد في مسودة الوساطة الإفريقية. وأضاف “طلبنا منها بعض الاستيضاحات، وأعتقد تفهم الوساطة وإدراكها بصورة واضحة لموقف الوفد السوداني المفاوض حول قضية دارفور”. وتابع بأن النقطة الجوهرية التي أكدها الوفد انه مُفوّضٌ بالتفاوض حول وقف العدائيات وليس الحوار رغم وجوده ضمن اهتمامات الوفد، وأكد أن التركيز ينصب الآن حول التفاوض لوقف العدائيات بما يفضي الى سلام شامل في دارفور.
وأوضح د. أمين أن الوفد تسلّم مسودة للتفاوض من الوساطة الإفريقية “إلا أنها اشتملت مواضيع خارج إطار تفويض الوفد لذلك سيقدم الوفد ملاحظاته للوساطة الإفريقية لتعيد الأمر إلى نصابه”، وقال “تسلمنا مسودة اقتراحات من الوساطة الأفريقية واضح بالنسبة لنا أن هناك شيئا من التفاوت في الفهم حول غرض الاجتماع من قبل الطرفين أي بيننا والوساطة الأفريقية”. وأشار أمين إلى أن الوساطة أرسلت خطابا من أجل المشاركة في المفاوضات العاشرة لوقف العدائيات وطلبت حضور وفدي المنطقتين ودارفور, وأوضح أن الأمر كان مستهدفا به وقف عدائيات ولا يتعلق بالحوار وإنما بالتفاوض لأن الوفدين أتيا للتفاوض وليس للحوار الذي تختص بأمره لجنة (7+7). وقال إن الوفد جاء إلى أديس أبابا على أساس توقيع اتفاق وقف عدائيات والذي سيفتح صفحة لاستئناف عملية التفاوض حول القضايا الأمنية والسياسية المتعلقة بدارفور والمنطقتين وسيشكل مناخا جيدا للحوار الوطني في نهاية الأمر”.
وأكد د. أمين في تصريحات نقلتها وكالة السودان للأنباء، الاستعداد لوقف العدائيات مع الحركات المسلحة في دارفور إذا كان ذلك سيؤدي لاستئناف العملية السياسية، وقال “نتفق في إطار اتفاق الدوحة على ترتيبات أمنية وسياسية، أما إذا كان هذا غير ممكن وكنا نأتي لمجرد وقف عدائيات لأغراض الحوار الوطني فنحن لسنا مفوضين لهذا وستكون هذه النقطة واضحة لكل طرف” .

ورقة الوساطة
وعلق د. أمين حول الورقة التي قدمتها الوساطة “وتُظْهِر الأمر كأنه حوار وطني”، وقال “تعليقاتنا على الورقة أنها يجب أن تعود إلى طبيعة التفويض الممنوح لنا وهي أننا سنناقش وقف عدائيات يفضي مباشرة إلى وقف إطلاق النار والى ترتيبات سياسية وأمنية لاستكمال الحل سواء كان في دارفور أو في المنطقتين جنوب كردفان والنيل الأزرق”، وشدد على أن هذا الأمر هو مسألة فهم عام جوهرية يجب التأكيد عليها، وأضاف بأنه لا يمكن أن تطلب من شخص غير مفوض في أمور معينة أن يتفاوض فيها. وأكد د. أمين أن هذا لا يعني بالضرورة مؤشرا لطريق مسدود حيث أن الوساطة يمكن أن تعيد الأطراف إلى المسار الصحيح للتفاوض، وأشار إلى أن ورقة الوساطة الإفريقية لم تشر إلى وقف إطلاق نار وكان التركيز على وقف العدائيات لأجل الحوار، وشدّد على أن الوفد الحكومي جاء للتفاوض وليس للحوار الوطني “لأنهما مساران مختلفان”. وقال د. أمين إننا سنكتب هذه الملاحظات ورفعها للوساطة. وأعلن أن الوفد سيُوقّع وقف عدائيات مع الحركتين الموجودتين وهما حركة العدل والمساواة بقيادة جبريل إبراهيم وحركة تحرير السودان بقيادة مني اركو مناوي, ونوه إلى أنهما ليس لهما وجود عسكري في دارفور “وليست هناك عدائيات بيننا وبينهم بحسب أنها متوقفة بطبيعة الحال”، وقال “لا بأس من أن نوقع هذه الوثيقة من باب إرسال رسالة نوايا حسنة رغم انه لا وجود لهما في دارفور”.
ومساء أمس، أوضح د. امين، أن وفد الحكومة عقد اجتماعا مفيدا ومنتجا مع الوسيط الافريقي ثابو مبيكي، وتم ابلاغه بالملاحظات والشواغل حيال مسودته التي دفع بها للأطراف في منبر دارفور.

مبعوثون في مقر المفاوضات
في غضون ذلك، تحدثت المصادر عن وجود عدد كبير من المبعوثين الغربيين في مقر المفاوضات بين الحكومة والحركات المسلحة من دارفور وقطاع الشمال أبرزهم وفد الولايات المتحدة الأمريكية الذي يقوده المبعوث الخاص بالسودان دونالد بوث إلى جانب مبعوث من النرويج، وكانت المراصد تحدثت أمس الأول عن حراك مكثف للمبعوث الأمريكي داخل مقر المفاوضات، وقالت المصادر إن وفداً ألمانياً أفلح في جمع الفرقاء السودانيين في جلسة مشتركة ضمت وفد الحكومة لمفاوضات المنطقتين برئاسة إبراهيم محمود حامد ومني اركو مناوي رئيس حركة تحرير السودان وياسر عرمان رئيس وفد الحركة الشعبية قطاع الشمال وأحمد تقد لسان رئيس وفد حركة العدل والمساواة والإمام السيد الصادق المهدي رئيس حزب الأمة القومي والذي وصل أديس أبابا لحضور هذه الاجتماعات التي عقدها الوفد الالماني مع الأطراف، وغادر مساء أمس. وأوضحت المصادر أن الاجتماع اتسم بروح وفاقية جيدة أذابت كثيرا من الجليد فيما يلي علاقات أعضاء الوفود الشخصية. فيما وصلت إلى مقر المفاوضات أيضا قوى من المعارضة السودانية لمراقبة مسار التفاوض، وعقدت اجتماعات مع ياسر عرمان رئيس وفد الحركة الشعبية.

الحركة تنتقد اديس
من ناحيتها، قالت الحركة الشعبية قطاع الشمال، إنها فوجئت باعلان الوفد الحكومي المفاوض في أديس أبابا، أنه ليس لديه تفويض كافٍ في قضايا الحوار الوطني واستغربت هجوم الوفد الحكومي على الوساطة والحركة. وقال مبارك أردول المتحدث باسم ملف السلام في الحركة إنهم فوجئوا بوفد الحكومة يعلن أنه ما جاء بتفويض كاف في قضايا الحوار القومي، وأضاف أردول بأن الحركة ستمسك عن أي تعليق في هذا الخصوص في هذه المرحلة.. وقال “لا نود أن نستبق الآلية الأفريقية بملاحظات قد تعوق عليها عملها خلال الساعات القادمة وسنحتفظ بالحق في إبداء هذه الملاحظات في الوقت المناسب”. وأكد أن الحركة جاءت المفاوضات بعقول وقلوب مفتوحة وعلى أكمل إستعداد للتعاون من أجل تنفيذ البرامج الإيجابية للآلية الإفريقية للوصول لوقف عدائيات يفتح الطريق أمام المساعدات الإنسانية. وتابع “السكان المدنيون هم أولويتنا الأولى، كما إن ذلك يهيئ المناخ لعملية الحوار القومي الدستوري المتكافئ، الأمر الذي نثق في أن الآلية الإفريقية تستهدفه وتسعى عن طريقه لتوصيل الطرفين الى نتائج طيبة بشأنه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.