محمد عبدالقادر – وصية الضابط الهولندي.. مَازال النزيف مُستمراً!!

على أيام (السودان المُوحّد) والشريكين، كنا وفديْن سُودانييْن نختصم لدى لاهاي في عملية التحكيم الشهيرة حول أبيي.
كنت أرافق الوفد الحكومي إلى حيث جنة العدالة الدولية هولندا، كان يقوده الدرديري أحمد محمد – بالمناسبة أين هذا الرجل الآن؟ – وعلى الضفة الأخرى كان د. رياك مشار رئيساً لوفد الحركة الشعبية.
ضابط الجوازات الهولندي ظلّ يسألني مراراً عن عَمائم أهلنا المسيرية وجلابيبهم البيض التي تَوَزّعت في مطار أمستردام، كنت أجيبه بأنّ هؤلاء الأخيار بمكارم أخلاقهم وطَلاقَة ألسنتهم ووجوههم من أكارم أهل السودان، قال لي ولماذا جئتم إلى هولندا، أخبرته أنّنا على أعتاب مرحلة مفصلية من تاريخ السودان وإننا جئنا لنستمع إلى التحكيم الدولي في قضية داخلية مُعقّدة تنذر بنسف السودان، لحظتها ضحك الضابط الهولندي وهو يضع ختمه على جوازي ويطبقه ويدفع به نحو يدي الممدودة وقال لي: جئتم تبحثون عن العدالة في هولندا، وجميعكم سُودانيون؟، لن تجدوا العدالة ولن تجدوا وطنكم.
الرجل لم ينتظر مني إجابة وأومأ لي على طريقة (اللي بعدو)، لكنني بالفعل لم أكن أملك إجابة على هذا السؤال الذي استفز سُودانيتي ووطنيتي، وظلّ يُلاحقني من حينها، تعززه صورة الانفصال الكامل الذي شَهدته في هولندا والخصمان يقفان في المحكمة وجهاً لوجه وبينهما سماسرة القانون وأصحاب الأجندة، والمُنتظرون لجثة السودان المُوحّـد على الضفة الأخرى من النهر.
هذا الأمر ضَاعَفَ قناعتي آنذاك بأنّ الجنوب ذاهبٌ لا محالة وأنّ الملامح التي تتربّص بمصير أبيي في لاهاي بقيادة رياك مشار لم تَكــن سوى وفد مقدمة للطوفان الذي غمرنا وشطر بلادنا في التاسع من يوليو 2011م.
في صبيحة يوم التحكيم جئت باكراً إلى بَهــو الفندق فَوجَدت د. رياك مشار وحرمه انجلينا تانج الوزيرة في الحكومة آنذاك وأبناءه يتناولون وجبة الإفطار، وبصراحة فإن هيئة الرجل وطلاقته وانفراج أساريره كانت تقول إنّ الحركة الشعبية محتفية جداً بوجودها خصماً لحكومة تشارك فيها أمام منصة التحكيم الدولي وحول قضية داخلية، وقد ضاعف هذا الإحساس من قناعتي بأنّ الجنوب سيذهب لا محالة برغبة الحركة الشعبية وحرصها على الانفصال حتى وإن (نقّط لها المؤتمر الوطني العسل).
دلقت حزمة هواجسي على مائدة مشار بعد أن ألقيت عليه التحية وأسرته، وللأمانة فقد كان الرجل فاضلاً وهو يدعوني للطعام والشاي، وانجلينا تبذل قصارى جهدها في ترتيب المائدة، غير ذلك فقد سألني عن مجموعة صحفيين كانوا قريبين منه عندما كان رئيساً لمجلس تنسيق الولايات الجنوبية، ومن بينهم صحفية الأخبار المخضرمة الزميلة «مريم أبشر»، مشار تعامل مع هواجسي ببرود لم يكن غريباً على شخصيته حتى ملاحظة الضابط الهولندي لم يعرها اهتماماً ربما لأنه كان واقعياً أكثر مني ولا أقول انفصالياً، المُهم نهاية الحديث كان بالنسبة لي نهاية للسودان الموحد، رغم وصية الضابط الهولندي مضى الجنوب ومازلنا نبحث عن الحُلول في العواصم الأجنبية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.