طارق شريف – ستات الشاي.. قضية عاجلة!!

زهرة امرأة في العقد الرابع من العمر، تستيقظ مع خُيوط الفجر الأولى، وتبدأ رحلة كفاحها اليومية في البحث عن لقمة العيش. تتحرّك زهرة من منزلها بمنطقة السلمة إلى وسط الخرطوم وفور الوصول تبدأ في تجهيز مُستلزمات العمل من الشاي والبُن والسكر ولا تنسى الأواني، وتستمر في عملها حتى آخر النهار، ثم تبدأ الوردية الثانية من العصر حتى مُنتصف الليل بنفس الحَماس الأول لا تكل ولا تمل وكل ما تسرّب إليها التعب تتذكّر أطفالها الذين تعولهم وتتذكّر حق الإيجار وأشياءً أخــرى!
زهرة حزينة هذه الأيام، لأنّ سلطات محلية الخرطوم تُمارس (الكشة) ضد ستات الشاي وتُصادر الأواني ومُستلزمات العمل وتتذكّر زهرة كيف تمّت مُصادرة عِـــدّة شغلها ولم يطلق سراحها إلاّ بعد أن دفعت مبلغ “مائة جنيه”، وتبتسم زهرة بسمة الحزن عندما تحسب (كَم كوباً من الشاي) يساوي هذا المبلغ الكبير في قاموسها لأنّها لا تجمعه بسهولة، ولكنها عاودت الرجوع إلى كفاحها اليومي وهي تُردِّد رائعة عبد الوهاب هــــلاوي:
حاجة آمنة اتصبـري
عــــارف الوجــــــع
في الجـــــــوف شديد
لكن كمان ما بتقدري
من الصباح ســرحتي
في حــــق الفطــــــور
هل سمع السيد مُعتمد الخرطوم بهذه القصيدة التي أصبحت أغنية تغنيها فرقة عقد الجلاد ويرددها الغلابة وهم يتلحفون الصبر الجميل؟ لا أفهم الحملات المُتكرّرة التي تقوم بها محلية الخرطوم ضد ستات الشاي، ولا أعتقد أنّ تنظيم الخرطوم يعني مُطاردة ستات الشاي بالكشات والغرامات!! هناك ألف طريقة لتطوير الخرطوم ولكن ليســــت من بينها مُحاربة الناس في أكل عيشهم، خَاصّةً إذا وضعنا في الاعتبار أنّ وسائل كسب العيش في السودان بسيطة ومحدودة في بلد ترتفع فيها مُعـــدّلات الفقر وتظل الحاجة فيها للإبقاء على المهن الهامشية ضرورة مُلحَــــــــة.
كنت أتوقع من محلية الخرطوم أن تعمل على تنظيم المهنة بتوفير أماكن لستات الشاي ونشر الثقافة الصحية للحفاظ على جودة الخدمة التي تُقَــــدّم للزبائن، وهناك طرق عملية اتبعتها بعض الشركات بتوفير مظلات لستات الشاي أعتقد أنها خدمة راقية في إطار المسؤولية الاجتماعية، أذكر إنني قبل سنوات كُنت عُضواً في مجلس إدارة مستشفى أمْدرمان فاقترح عضو بمجلس الإدارة تنظيم كشَـــة لستات الشاي أمام المستشفى، وأيّد المقترح رئيس مجلس الإدارة فوقفت بقوة ضد القرار فوجّهت نقداً لاذعاً للمقترح، وقلت لهم إن تطوير المستشفى لا يعني مُحاربة الناس فــي رزقهم.
بعض المسؤولين تختلط عليهم الصور والأوراق والملفات ولا يفهم كيف يبدأ مُهمّته وينسى ترتيب الملفات والأولويات!
الخرطوم هي قلب السودان النابض ومركز الاكتظاظ السكاني وتحتاج إلى حكمة في إدارة الملفات وكل قرار يصدر يجب أن يُدرس جيداً ويراعي الآثار الاقتصادية والاجتماعية ويرنو نحو أفــق بعيــد.
على المسؤولين في الخرطوم مُواجهة المُشكلات وليس الهروب منها إلى قضايا انصرافية، ومُواجهة مُشكلات الخرطوم تبدأ بالاهتمام بمَعاش الناس وتوفير الخدمات والاهتمام بترقية المدينة ونظافة الشوارع ثمّ شَق الطرق والأنفاق. أمّا مُحاولات منع ستات الشاى من العمل فلا أظنها تندرج فى برنامج تطوير الخرطوم وإذا اندرجت فى هذا البرنامج ،يجب توفير بديل للمهنة، أما منع المهنة من غير بدائل أو حُلــول فهــو إجــراء تعســفي لا يراعي مَصلحــة البــلاد والعبــاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.