د. سامية علي – الهجرة قسرا !!

ندوة الهجرة القسرية واثرها على الطفل والمرأة التي اقامها الاتحاد النسائي الاسلامي العالمي، نهاية الاسبوع الماضي ، ناقشت حقائق هامة جديرة بالتوقف عندها كثيرا ، ووضع المعالجات لها وهي تبطن في داخلها الكثير من المشكلات ، مشكلات خاصة بالمهجرين قسريا او المهاجرين طوعا ، مشكلات اخرى تخص البلد المستقبل للمهجرين قسريا ، والبلد المعني هنا اقصد به السودان .
وبما ان الاتحاد النسائي العالمي يُعنى بنساء العالم وليس السودان فقط ، فقد كان تركيز الحديث على المرأة المهجرة او اللاجئة في كل البلاد الاسلامية ، وهي بالطبع اكثر معاناة والاكثر تأثرا من الرجل ، ومعاناتها هذه هي ايضا تؤثر على الاسرة وبنيانها وعلى الاطفال والنشأ ، بمعنى انه تؤثر على المجتمع وتماسكه وبنائه ..
واذا نظرنا الى وضع المرأة في كثير من البلاد- واعني البلاد الاسلامية والعربية – التي واجهت وتواجه حروبا او انفلاتا امنيا، نجدها الاكثر تشردا ونزوحا ، ووصل بها الحال ان تهاجر هربا الى بلاد الجوار ، وفي تلك الرحلة قد ذاقت صنوفا وضروبا من المعاناة القاسية وربما العذاب والتعذيب والقهر والاستباحة ، وهي تسير في طريق المجهول والمستقبل المظلم القاتم ، الى ان وصل بها الحال الى بلاد اخرى لا تعلم عنها شيئا ، ولا تفقه عن شعبها وكيف سيتقبلها ، وهل يتقبلها وكيف ستعيش ومن اين تجد دخلا ماديا يسد رمق جوعها ويستر جسدها الذي انهكته الحرب والضياع والتمزق ؟؟
كل هذه الاسئلة الحارة ربما تدور في ذهن هؤلاء النسوة وهن قد اجبرن على الهجرة قسرا وجبرا من بلدانهم الى بلاد اخرى ، الكثير منهن فقدن عوائلهن وابناءهن ، فالحرب لا ترحم وهي تفرق بين المرء وزوجه وابنه ، وبين الحرمان من الاهل والزوج والولد يضطررن الى مواجهة هذا الواقع (الظالم) للعمل في (اللاشئ) وفي كل شئ ، وان كان هذا العمل يقلل من شأنهن ويهين كرامتهن ، فمنهن من عملت بالبيوت خادمات يغسلن الملابس وينظفن المنازل، وبعضهن من اتخذن اعداد الشاي وسيلة الى جلب الدخل ، والبعض الاخر لم يجدن هذه الوسائل وهي( مهينة) فاضطررن الى التسول وسؤال الناس الحافا بالطرقات وعند التقاطعات واشارات المرور نجد الكثير منهن يسألن الناس وسائقي العربات وبين ايديهن اطفالهن وهو مشهد يدمي القلب ويبعث الشفقة والحزن العميق ..
بينما كانت بلاد هذه النسوة من البلاد الاكثر استقرارا بل لديها مراكز تجارية في السودان وهي من اشهر واجود المنتجات ، واما الاخريات واللاتي تواجه بلادهن حروبا واعتداء سافرا من اليهود الاسرائيليين ، يجدن صنوفا من التعذيب يهاجرن الى بلاد اخرى وكثير من البلدان تحرمهن العمل برغم تأهيلهن ، فالفلسطينيات مثلا حينما يهاجرن قسرا الى بلد كلبنان ? بحسب رواياتهن- يحرمن من التوظيف بوظائف هن اكثر تأهيلا لشغلها فقط لانهن لاجئات ، هكذا تحكي احداهن والغصة الحارة (تخنق حلقها)، هذا ما يحدث لكثيرات.
وفي المقابل نرى بلادا تستقبل الآلاف من المهاجرين قسرا واللاجئين والمتسربين عبر الحدود وعبر هجرة غير مقننة ، ربما تفرز الكثير من الآثار السالبة على البلد المعني ومواطنيه ، فالسودان مثلا يستقبل عشرات الآلاف من المهاجرين ، بعضهم لاجئين جاءوا بطرق مقننة وتم الترتيب لهم والاستعداد لاستضافتهم ، بيد ان الغالبية من المهاجرين جاءوا اما متسللين عبر الحدود المفتوحة ، او مهربين فاصبحوا يشكلون عبئا ثقيلا على السودان ..
ولان هؤلاء يعملون باشغال هامشية لا تدر دخلا كبيرا يمكن ان يغطي ما يكلف الدولة لتصرفه اقتصاديا واجتماعيا وخدميا جراء وجود هؤلاء ، فالعبء بالطبع سيكون اكبر بل سيمتد اثره ايضا على المواطن نفسه ، فهم يشاركونه في الخدمات كالكهرباء والمياه والطرق ووسائل المواصلات والسكن ، فنجد الاعداد الهائلة والمتزايدة من الاثيوبيين على سبيل المثال، يعمل باعمال هامشية لا تدر دخلا يمكن ان يغذي خزينة الدولة ويعود على الاقتصاد بالنفع ربما اثر ذلك على سعر الصرف والعملات الحرة ، فهؤلاء كل ما يتحصلون عليه من دخل يتم تحويله الى عملة صعبة ، ثم تحويله الى بلادهم .
فالامر يحتاج الى اعادة نظر ، واعمال الخطط لتقنين هذه الهجرة وذاك التسرب ، يجب ان نعمل العقل في مثل هكذا مواقف ، نبعد العاطفة ، فهذه العاطفة قد اضرت بنا كثيرا ، وهذا ما جعل السودان ملجأ من لا ملجأ له.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.