صراع الجنوب..السودان الخاسر

صدى الاحداث

د.سامية علي

الاوضاع السيئة التي وصلت بجوبا حد الانهيار جراء تفاقم الخلافات بين رئيس دولة الجنوب سلفا كير ونائبه رياك مشار ، هى متوقعة ومحتملة ، فالدولة الوليدة التي لم تجد حكاما حكماء قادرين على تسيير دفة الحكم الى بر الامان كدولة خرجت من حروبات مستمرة قرابة ربع قرن من الزمان ..

فدولة الجنوب حالما انفصلت عن الدولة الام السودان ، دخل قادتها في خلافات مستمرة ، وصراعات دامية حتى وصل بها الحال الى حافة الانهيار ، على الرغم من ان عملية الانفصال تمت بطريقة سلسة لم تكلف الدولة الوليدة رصاصة واحدة بينما كان قادتها يتحسبون الى صراع نازف مع الدولة الام ، بيد ان قادة الاخيرة (السودان) كانوا اكثر وعيا حينما التزموا بما وعدوا به ، بل كانوا اول المبادرين بالاعتراف بالدولة الجديدة.

هذا الصراع الذي طوق دولة الجنوب هو نتيجة طبيعية ومتوقعة ، ذلك لان القادة هناك انحصرت اهتماماتهم فقط في مصالحهم الذاتية ، دون النظر الى مصلحة شعوبهم ، فلم يعملوا على تطوير بلادهم والخروج بها من دائرة الحروب والاقتتال الى براح التنمية والرفاة ، وانشغلوا بقضايا ذات اطر ضيقة تنحصر في من يحكم ، فغرقوا في مستنقع القبلية الدامي ، فظلت حدة الخلاف تتسع بين رئيس الدولة سلفا كير (الدينكاوي) ونائبه رياك مشار (النويري) .

وكلما حاول الوسطاء تقريب الشقة بينهما تعمل القبيلتين على اتساعها ، الى ان وصل الحال الان وتتطور حد القصف بالطائرات واشتباك الجيشين ومحاولة تصفية القائدين الذين هربا الى جهات غير معلومة بحسب الانباء المتواترة من هناك، وقتما كان القصف حاميا .

بالطبع المتضرر الاول والاخير الشعب الجنوبي ، الذي دفع فاتورة الانفصال غالية جدا ، اذ انه واجه الموت بالجملة فالجثث هناك تغطي مساحات واسعة بجوبا وواو ومدن اخرى كثيرة ، بجانب نزوح عشرات الالاف من المواطنين الى بلاد مجاورة، وجلهم بالطبع اتجه شمالا الى السودان ، هذا البلد الامين الذي عاشوا فيه آمنين ومطمئنين لم يمسسهم سوء ، بيد ان طمع قادتهم الذين خدعوا بل اخذتهم العزة بالاثم حينما رضخوا لاغراءات بعض الدول التي تطمع في الاستفادة من موارد بلادهم ونهبها ليكون الخاسر الشعب الجنوبي المغلوب على امره.

نعم خسر الشعب الجنوبي ، حينما خدعوهم هؤلاء ، وزينوا لهم سماحة وفائدة انفصال الجنوب ، وانهم سينعمون بالخير الوفير الذي ينعم به الشماليين او كما كانوا يتعقدون ، الا ان هؤلاء استقيظوا من ذاك الحلم (الجميل) ليواجهوا الحقائق المرة ، انها خدعة (الاجنبي) الذي خطط لهذا السيناريو .

سيناريو خطط له باحكام شديد ، والان ملامحه بانت بوضوح ، فالتخطيط المرسوم اقناع قادة الجنوب باهمية انفصال الجنوب عن الشمال ، والضغط على شعوبهم بالتصويت لهذا الخيار ، ومن ثم اشعال نار الفتنة بين رئيس دولة الجنوب ونائبه ، عبر النزعة القبلية ، حتى تطور حد الاقتتال الدامي ، النتيجة الحتمية لذلك موت الالاف من المواطنين الجنوبيين ، ونزوح عشرات الآلاف منهم .

بالطبع سيتدخل مجلس الامن ، بغرض حفظ الامن والسلم ، وهاهو اجتماع وزراء دول الايقاد الذي اجتمع مؤخرا بنيروبي قد اقر توسيع مهام قوات حفظ السلام الدولية الموجودة بدولة الجنوب وزيادة عددها لتكون قوة اممية للتدخل .

بيد ان هذه القوة لن تفعل شيئا لحفظ الامن بحسب تجاربها في كثير من الدول ، فمن المتوقع ان يتجدد القتال من جديد وستزيد حدة الصراع بين الاطراف المتقاتلة ، ومع استمرار الاقتتال لن يبقى من المواطنين احد ، ولن يبقى بدولة الجنوب الا العسكر  من طرفي النزاع ، وبما ان بيان اجتماع الايقاد قد اقر ايضا القبض على المتسببين في خرق القانون ومحاسبتهم ، فمن المتوقع ان يتم القبض على قادة طرفي النزاع وهما سلفا كير ورياك مشار ، وبالتالي سيتم احتلال كامل لدولة الجنوب عبر القوات الاممية بذريعة ان قادتها فشلوا في بسط الامن والسلم .

وهذا ما ترغب فيه اسرائيل لتحتل موقعا استراتيجيا تعبر به الى دول القرن الافريقي لتحقق اهدافها ومآربها ، فالسودان هو الخاسر الاول والاخير ، فهو قد فقد جزءا مهما من اراضيه لما يزخر به من موارد ضخمة وثمينة ، بينما سيتحمل عبء مواطني هذا الجزء بعد انفصاله كدولة مستقله ، فالتقارير تقول ان نسبة النازحين من الجنوبيين الى السودان فاقت 80% ، وما تبقى سياتي ايضا طالما ان الاوضاع غير مستقرة هناك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.