رؤى وأفكار – عُملة من ذهب

ابراهيم الصديق علي

د. ابراهيم الصديق علي
«1»
في بلادي عقول تفكر، وقلوب تنبض بحب البلد، وأقلام تكتب بدماء الضمير الحي والمسؤولية العصماء.
قرأت «رؤى وأفكار» عمود الدكتور إبراهيم الصديق علي ،رئيس تحرير صحيفة الصحافة ،وهي الجريدة التي تخصني بها مؤسستنا فأبدأ بها يومي كل صباح !!
وحين قرأت الفكرة في عمود السيد رئيس التحرير انتابني شعور بأن هذه الفكرة ستُواجَه بِتحدِّيات منها أن هذا الذهب الذي سيتم تصنيعه إلى عملة يمكن لمافيا السوق أن تصهره وتصنِّعه من جديد وتبيعه في الأسواق فالفكرة إذن تحتاج إلى ضمانات قد لا تكفي فيها العلامة الرسمية للعملة ولا الملكية الفكرية!!
وتتلخص فكرة الدكتور إبراهيم في استصناع عملة معدنية حقيقية ،أطلق عليها مصطلح Real money ،وهو أحد المظهرين اللذين تقوم عليهما العُملة في علم الاقتصاد مع المظهر الثاني وهو النقودالتقديرية Account money، فالمظهر الأول له قيمة مادية فعلية ،والمظهر الآخر ليس له وجود مادي ،وإنما يستند إلى قوة اقتصاد الدولة واحتياطاتها.
وربما أغرى فكرة الدكتور ما ينتجه بلدنا السودان من الذهب وهو 82 طنا العام الماضي ويُتوقّع له الزيادة المضاعفة هذا العام ،وكأنه تعويض من الله سبحانه للنسبة الكبيرة التي افتقدها السودان من النفط بعد انفصال الجنوب.
وبالإضافة لافتقار الفكرة ضمانات البقاء والسلامة من الانصهار فإن السودان لا يملك أسواقا للذهب وليس فيه بورصة توازي بورصة العملة الأجنبية ،وصحيح أن العملة الذهبية حين تُصنّع لن تُباع ذهبا خالصا إلا أنها أيضا ستخضع لمد السوق وجزره وأعني به التكديس الذي يورث الجمود ويعطل الأرباح، خاصة وأن الدكتور صاحب الفكرة يقول إن العالم الآن يتجه إلى التعامل بغير العملة عن طريق البطاقات الائتمانية والبيع الشبكي،الذي لم يَخلُ من حرجٍ شرعيٍّ لاتزال المجامع الفقهية تدندن حول حرمته ومحظوراته.
قد تبدو الفكرة زاهيةً وتُمثّلُ مَخرجا للضائقة التي يُعانيها اقتصاد بلادنا في عالَم لا يعرف في دنيا المال صاحبا ولا صديقا وفيا ،ولكنها حين تخضع للتعامل الواقعي تُصاب بالشلل أو العجز.
والحُجّة الأخرى أن انتاج السودان من الذهب، مطلوب منه مساهمته بفاعلية في سد النقص الحاصل الآن وليس إرهاقه في فكرة غير مضمونة النتائج ولا موثوقة الأرباح!!
ثم إن الشركة الألمانية المناط بها إنشاء مصنع العملة الذهبية تحتاج هي الأخرى لقراءة واقعيةReal analysingللسوق المفتقر لأبسط الضمانات القانونية لحماية الموازنة وحماية المُنتِج والمستهلِك ،ولهذا نحن نسمع الآن حُجَج خبراء الاقتصاد بأن غلاء الأسعار الضارب بأطنابه سببه الوحيد هو جشع التجاز متناسين النسبة المرتفعة في التضخم والفساد «التعدي على المال العام»!!
وكانت صحف الأمس قد حملت خبر وزارة المعادن قيام مصنع للنقود الذهبية ،وهو الحدث الدافع لفكرة الدكتور إبراهيم لأنه تنفيذ للفكرة مما يمنحها القيمة الفعلية،ويمنح الدكتور أيضا صفة المفكر الاقتصادي والخبير التجاري فوق خبرته الصحافية!!
في تقديري أن انتاج عملة معدنية أمر لا تقبله ممارسة التعامل السوداني مع النقود ولا مزاجه ،فالمواطن السوداني دائما يسمِّي العُملة المعدنية «الفكة» ولا يُلقي لها بالا مهما كَبُرت قيمتها، والأَوْلى بالاقتصاديين الآن وأهل الرأي جميعا إيجاد حلول جذرية تخرج بالبلاد من أزمتها الطاحنة الحقيقية بدل إعمال الفكر -على جودة إعماله وجودة أفكاره أيضا- في نظريات تحتاج إلى بيئة مثالية بها من حد الكفاية والرفاهية ما يتناسب مع فكرة الدكتور إبراهيم الذي أراه من خلال إطلالته مواطنا صالحا وصاحب قلم صادق..
وما كلمتي هذه إلاّ مجرد تعليق مع صادق المودة والتقدير.
< الصحافي/أبوذر أحمد محمد
جامعة الخرطوم
كلية الدراسات العليا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.