نار ونور – من أجل الإصلاح …. من تواضع لله رفعه

ربيع عبدالعاطي

د. ربـيع عبـدالـعـاطـى عـبـيـد
* إن مكانة المرء فى مجتمعه لا يتحكم فيها المنصب ولا المال ، ولكن يكثر المحبون وتزداد أعدادهم تباعاً للشخص عندما يصلهم ويصلونه ، ويسأل عنهم ، ويتفقد أحوالهم ، ويبقى معهم فى السراء والضراء ، ويأكل ما يأكلونه ، ويشرب ما يشربونه ، ولا يؤاخذهم على خطأ إرتكبوه فيعنفهم ، أو يزجرهم ، ولكن يتعامل معهم بلطفٍ ورقة ، فيقتدون بسلوكه ، ويستحون من إحراجه ، ويبذلون فوق الوسع لإرضائه ، والظفر بأخوته وصداقته ، ومعشره الطيب ، وعلمه الوافر ، وخلقه النبيل .

* ولقد حانت لى فرصة لمعرفة الكثير من النّاس ، الذين تتقاطر نحو منازلهم الجموع ، ليس من أجل حب ، أو وفاء ، ولكن وراء مصالح وحظوظ دنيا ، وعندما فقد هؤلاء المنصب ، أو لعبت بوضعهم المالى صروف الأيام ، وظروف الزمان ، إفرنقعت الجموع من حولهم ، وأصبحت منازلهم خاوية على عروشها من ضيف يطرق الباب ، أو صديق قديم كان لا يبارح المنزل ، وتحسبه من أفراد الحراسة الذين لا يغيبون لحظة ، ولكن عند ما زال السبب بطل العجب ، أو كما يقول غاب أبو شنب فلعب أبو ذنب ، وأبو شنب هنا إذا جاز التعبير فهو المنصب ، أو المال أما أبو ذنب ، فهم الأذناب الذين تركوا هذه الساحة ، ليلعبوا بأذنابهم فى ساحات أخرى مليئة بحطام الدنيا وزينتها ، وظل الذى كان يُيمم النّاس شطر داره ، يجلس خاسئاً حسيراً على كرسى أمام داره دون أنيس ، أو جليس ، إلا من حشرات طائرة يهشها هشاً ، وعند ما يمر على داره أحد من المارة ، لا يلقى عليه كلمة للتحية ، أو السلام .

*والتواضع يبقى زينة للمرء ، وشارة تميزه عن أهل العنجهية ، ولا يستطيع كائن من كان نزع التواضع كقيمة سامية ، وصفة لازمة من المتواضعين ، وموطئ الأكناف ، بينما تنزع أنواط الجدارة ، ويعزل الوزراء ، والضباط فى كل الرتب ، وينزل المواطنون والمديرون ومن لف لفهم إلى الخدمة المعاشية ، فتفارقهم أضواء المنصب ، وصلاحيات الإدارة ، وتسهيلات الموقع ، فيجد معظمهم أنهم كانوا يعيشون خيالاً ، ويأملون سراباً ، ويطيرون كالطير الذى حط بجناحيه فى أرضٍ لا شجر فيها ولا ينبوع للمياه .

*ولقد قابلت المرحوم الرئيس نميرى بعد أن عاد من منفاه بمصر ، وفتحت له الإنقاذ ذراعيها ، وكرمته عزيزاً بوطنه ، مستمتعاً بإمتيازات الرئيس السابق لجمهورية السودان ، وكان ذلك بالسفارة المصرية ، وهى تحتفل بذكرى عبور 6/ أكتوبر وإسترداد جزيرة سيناء ، فسألته عن صحته وإنطباعاته ، وهو اليوم يمارس حياته كمواطن عادى ، حيث لا أبهة ، ولا قصر ، ولا سلطان ، فقال لى بالحرف الواحد ، تصور أننى مازلت رئيساً لهذا البلد ، وأنا بهذه الحالة مريضاً عليلاً ، وأصابنى الكبر فماذا سيكون حال هذه البلاد ، وقبل أن أرد عليه ، فاجأنى بقوله أن الشعب إذا رضى بالشيخ العاجز المعلول ليقوده ، فإنه شعب عاجز وهالك مثله .

* ومن فرط تواضع الرجل ، أردف بكلمات مؤثرة ، ما زلت أذكرها ، عندما قلت له سيادة الرئيس ، لقد كبرت قليلاً ، فقال لى قليلاً ؟ لا كبرت كثيراً ، وأحمد الله وأسأله أن يغفر لى ذنبى ويرحمنى وأن أكون من الشاكرين .

* فالرئيس الأسبق المرحوم جعفر نميرى ، عاش صولجاناً ، وتمتع بفتوة ، وحكم بمفرده زمناً لأكثر من خمسة عشر عاماً ، وتجول فى أنحاء الدنيا ، وكانت آخر رحلاته للولايات المتحدة الأمريكية ، ثم إستقر به المقام بمصر الشقيقة فى ضيافة رئيس مصر السابق حسنى مبارك ، وكلاهما قد نزعت منه السلطة ، ولم يبق سوى تاريخ الرجلين ، وتقويم الأجيال لسلطتهما السياسية ولشخصيتهما القيادية ، والمعيار لذلك هو إلى أى درجة كانا يمارسان الطغيان والإستكبار ، وإلى أى درجة كانت خصائصهما تميل نحو التواضع والزهد ، وخصائص الإنسان الكريمة التى يتجلَّى فيها العطف ، والشفقة ، والتحنان .

* ولا أشك بأن ميزان التواضع إن كان راجحاً ، سيتمنى النّاس العودة مجدداً لهذا ، أو ذاك الرجل ، أما إذا كان الميزان فى إتجاه التكبر والإستعلاء ، لأصبح اللعن والشجب هو السمة الغالبة لمن يذكر رجلاً ، او إمرأة كانا على سلطة ، أو ثروة ، أو مركز مالى ، أو إجتماعى ، فى أى عهد من العهود ، أو زمنٍ مضى ، وتظل اللعنات تلاحق هكذا المتكبرين ، ومن علوا فى الأرض ، وأكثروا فيها الفساد .

* ومن أجل الإصلاح ، فإننا بهذه المثابة نحذر الذين يتجبرون بوظيفتهم ، ويبطرون بمالهم ، ويتعالون برتبهم ، بأن مثل هذا السلوك يحط من نظر النّاس لهم ، ويرديهم ، فلا يحفظ لهم تاريخاً ، ولا يجلب لهم إحتراماً ، وأنه وضع غير دائم ، فهم كالمسافر على دابة فى جوٍ قائظ ، وحرارة لافحة ، فاستجم قليلاً تحت ظل شجرة ، أو سحابة أظلته لفترة محدودة ، ثم إستأنف السير مرة أخرى ، ولكن فى ظرف مختلف بل قد يكون أشد وطأ مما سبق.

* فالمنصب والجاه ، والثروة والنياشين ، وعلامات الرتب العسكرية ، والألقاب العلمية ، كلها لا تساوى شيئاً أمام مقام المتواضعين الذين إنفتحت عليهم أبواب السماء ، وجرت تحت أيديهم الأنهار عسلاً ، ولكنهم لم يخرجوا عن طورهم وإتكأوا فقط على تواضعهم فرفعهم الله فى الدنيا والأخرة ، ومن يرفعه الله لا يخفضه أحد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.