رؤى وأفكار – روايات خاصة : رقصة فرح

ابراهيم الصديق - رؤى وافكار

د. ابراهيم الصديق علي
«1»
ركز «الطيب» في الساحة ورفض كل جودية ، وأصر على أن تلهب السياط جسده ، كان قد عاد حديثاً من الغربة وعلى ملامحه نعومة لا تشبه هذه الديار وفي وجهه بريق يختلط بالعرق ، كانت دراما ذات وقع خاص ، واليوم كله لم يكن عادياً ، و»الحسن» يعزف على ربابته وتراً حماسياً وتتدافع الهامات وتتزاحم الأكتاف ، وابتسامة «أبو السرة» تكاد تقفز من وجنتيه ، ويسابق كل شيء ويسارع في كل نداء دون أن ينجز مهمة واحدة ، كل واحد يحتفل بطريقته الخاصة وإيقاعه الخاص ، وأمطره «الماحي» ثلاث ضربات كأنه يشفي غليلاً ، دون أن يتزحزح أو يهتز ، تدفق الدم الحار وزغردت أخته «رقية» وصاحت فيهم «أم الحسن» مستنكرة ، «يا ناس مافي تقدير للضيف» ، وأبت «التومة» مراقبة الواقعة وأشاحت بوجهها الى الحائط ..
ولأول مرة أشهد مثل هذا الاحتفاء في تسمية مولودة ، ولأول مرة يطرق اسم «السرة» مسامعي ، مع انني أعرف «أبوالسرة» منذ وعيت ولم أرَ «السرة» قط ولم أسأل عنها يوماً ، سوى بعض غمامة حزن على وجه «الزينة» كلما لاح أمامها طفل يمرح أو صغير يناغي ، واليوم تتكاثر الأفراح واسم «السرة « على كل لسان.
من بين الجموع اندفع «الطاهر» يجر ثوبه ، وشدني وسار بسرعة تكاد أقدامي تتهادى عن الأرض ، وتوسط الديوان وألقى دفتراً عتيقاً وقلم رصاص ،وصاح بصوت تعمد أن يسمعه الجمع ، أكتب يا «ود الحاج «: الحاج الطاهر وأولاده بقرة «شايل» ، والتفت في زهو الى جواره وأنت بتدفع شنو يا حاج «أحمد» ؟، رباع «دارة» ، بت لبون ، نعجتين ، ومن بين الصريف صاحت بت «الزاكي» جيبوا الكشف ، وأسرعت لمهمتي الجديدة وياللعجب فهذه المهام تعجبني.
تحلقت الصبايا حولي ، وكن قريبات عهد بالمدرسة ، عدلت في جلستي ، فتحت صفحة جديدة ، وبدأت وقائع جديدة ، أكتب يا «ود فاطنة» ، خالتك بتول «خرس» دهب ونفيسة «زمام» ذهب والحرم «حجل» فضة ، وأمامي ترتفع الهدايا في الصحن الصيني وصليله يتعالى ، وذات المرح يملأ المكان ..
«2»
صوب «أبوالسرة» كل جهده الى الأمواج تداعب الشاطيء ، كأنما ينصت لصوت الارتطام ، والشمس تأذن للمغيب ، والحياة حوله كلها تمور ،وتتنازعني المواقف بين ضجيج الصبية وثغاء الغنم وخوار البقر ومأماة الضأن ورغاء الجمال ونهيق الحمير ، كأنما صفحة جديدة تبدأ ، ولقيا بتفاصيل دقيقة ولطيفة ، ولكن وحده «أبوالسرة» هناك ، على تلك التلة ، يعيش في عالمه الخاص دون حراك ، يتقرفص ورأسه بين رجليه ، وكان أقرب للانكسار من حالة التفكر والاستغراق الصوفي ..
ألقيت حجراً وجلست دون كلام ، لم ينظر لي ولم يتحرك أو حتي يهتز أو يرتعش من مفاجأتي ، وهمهم بهدوء ،كنت أحاول الاقتراب من عالمه ، فهو رجل مهاب دون سطوة ومحل احترام دون تنطع وفيه بساطة الطبع وطيب الخاطر ، يحدثني كأنما يحادث نفسه عن الأنس الخفي ، وعن الوصل وعن لهفة الوجدان ، وعن مغالبات النفس وأشواق الروح ، وعن السكنات والحركات ، والأشواق ومشارطة النفس ، رأيت الشيوخ كثر، ولكنه من بينهم دون حواريين حوله ، ودون بهارج وضوضاء ، لا يرفع صوته محذراً ولكننا نقف على أمشاطنا أمامه ، يحدثنا بلطف وننصرف بانتظام ، قال الدرويش هاشم «هذا رجل رضي الله عنه في الملكوت وانقادت له المحبة في عالم الناسوت « ، هكذا قال ، دون تفسيرات وتوضيحات ومضى ..
«3»
قبل اسبوع ، تجمعت القرية كلها ، الرجال في حلقات أمام الديوان وتحت الأشجار ، والنساء على الأبواب والعتبات في بيت «أبوالسرة» ، كانت حالة التوجس تسيطر على كل شيء ، وبدأ الحشد هذه المرة أكبر والقلق يتكاثف والصمت أكثر ، مرات عديدة يعود «أبوالسرة» و»الزينة « من المدينة وعلى وجهه مغالبة الصبر والأسى ويكثر من الاستغفار ويشيح بوجهه كلما ترآى له فوج من القادمين ، وعلى خد «الزينة» دمع يتساقط مثل مطر «الطرفة « ووجه تورم من شدة البكاء وجسد مهدود ، وجدتي تواسيها وتكفكف ثوبها كلما تراخى وثاقه ..
واليوم حال مختلف شقيقه «الحسن» يتحرك في كل زاوية ، والأنعام في حظائرها ، وجوقة من الأطفال تحيط بالمكان ، كلما ابتدروا لبراءتهم فرحاً يندفع أحدهم ناهياً، وانزوى الجميع يتغامزون ، وصعدت جذع شجرة ، لوري «ود الزاكي» ممتليء بالدقيق والزيت والتمر ، وبوكس «طه» فيه خروف وتيس وأعمدة خيمة ، كل الأشياء معلقة ، في انتظار لحظة ما ، وعلى الأرض قطع فرش وبسط دون أن ينتبه لها أحد ، وشمس الضحى ترسل أشعتها تتخلل المسافات .. ولا شيء سوى الانتظار ، حتى الريح بدأت ساكنة وأغصان الشجر دون حراك أو تمايل .. صمت فحسب كأن الزمن توقف ..
«4»
زغرودة ، وأرهف السمع إنها «التايه» ، وزغرودة إنها «أم الخير» وزغرودة قسماً «حليمة» ، وحشد من الاحتفاء والضجيج ، وزلزال هز المكان ، ويتعانق الرجال ، وجدتي تزحف نصف ثوبها على الأرض «مبروك السرة « ، كأن الاسم قد استقر على الألسن قبل ميلاده بأربعة عشر عاماً ، أمضاها «أبو السرة « و»الزينة» من حكيم الى حكيم ، ومن مدينة الى مدينة ، ومن فحص الى فحص ، ومعه تحول الأمر الى أيقونة ورحلة بحث ولهفة ، رحلت أمه قبل أن ترى قرة عين بكرها ، وغشى الرمد عيني والده وأصبح كل شيء ضبابياً ، وما زال قلبه ينبض بالقلق .
مد «أبوالسرة» يده اليَّ في برجي ذاك ، ووضعني على كتفه ومضى بي يشق جمع النساء وهن يتزاحمن حوله ، حتى توسط الدار وأنزلني ، كنت خارج قدرة استيعاب المشهد والمقصد ، هذا الضحى مختلف ، وجاءت إحداهن تحمل لفافة بيضاء وطفلة في عينيها بريق خاص ، قبل جبينها وشفاهه تتراقص ودمعة تنسكب على خده ، وأخته تبكي «الحمد الله ربنا كافاك على صبرك من حرقة الحشا « ، وأخذ يؤذن في أذنها وشهادة في أخرى ، ومضغت تمرة وأخذها بابتسامة كبيرة «قلت كدي يا مبروك .. وكان ذاك ترياق السرة « ، علت الزغايد مرة أخرى ، ونصبت الخيام ونحرت النوق والثيران ، وركز «الطيب « .. وعلا أذان صلاة الجمعة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.