إستعراض كتاب: الطيب صالح في منظور النقد البنيوي

إستعراض كتاب: الطيب صالح في منظور النقد البنيوي

إشراقة عباس
ظهر الطيب صالح في الحياة الأدبية فملأ الدنيا وشغل الناس، وكان ظهوره في حد ذاته حدثاً فريدا لم يتكرر كثيراً في تاريخ الأدب العربي الحديث، فهو لم تقدمه للحياة الأدبية حركة إيدولوجية أو سياسية أستهدفت ان تجعله صوتاً لها على نحو ما حدث مع بوريس باسترناك، بعد نشر قصته (الدكتور زيفاجو)، وهو لم يكن واحدا من الكتاب الذين تعود القارىء العربي أن يطالع أسمائهم في الصحف والمجلات اليومية والأسبوعية فترسبت في أعماقه ميول خاصة نحوه، وهو من زاوية أخرى كاتب مقل لا تقارن أعماله في حساب “الكم” بأعمال الكتاب الذين بلغوا نفس المكانة والشهرة”.
بهذه العبارات الرصينة التي ترن إحتفاءاً وإحتفالاً بأدب الطيب صالح، بدأ الناقد الأدبي د. يوسف نورعوض كتابه النقدي القيم ( الطيب صالح في منظور النقد البنيوي). الطيب صالح ظهر من “الفراغ والسكون” كما يرى، موافقاً لراي الأديبة نازك الملائكة ومستعيراً لوصفها في رؤيتها للطيب صالح، إذ لم يكن رصيده في الحياة الأدبية سوى ذلك القبول الذي فرضته أعماله وأستجابت له تلك الأرادة الاجماعية أو الأرادة العامة التي تحدث عنها جان جاك روسو في كتابه العقد الاجتماعي.
والكتاب عبارة عن دراسة نقدية أدبية في اربعة قصول رئيسيةـ اولها فصل بعنوان (البحث عن رؤية) حلل فيه المؤلف الاتجاهات النقدية السائدة في النقد العربي المعاصر وبين فيه جوانب القصور وعرض لمنهج الأسلوبية اللغوية الذي بدأ ياخذ طريقه إلى النقد العربي المعاصر من خلال الفكر اللغوي الحديث. وخلص في تحليله إلى أن المنظور البنيوي هو أكثر المناهج شمولاً في درس العمل الأدبي وهو ما جعله يتخذه أساساً في دراسة أعمال الطيب صالح القصصية.
ويؤكد أن الذي يعطي أعمال الطيب صالح قيمتها الأدبية ليس هو موقفه الفلسفي من صراع الحضارات أو الثقافات منعزلا عن الطرائق الفنية ذاتها فليس هو أول من ناقش هذه المسألة في أعماله ولكن ما يميزه هو قدرته الفنية التي لفتت الأنظار إليه وأظهرته كاتباً كبيراً أختصر مراحل النمو الطبيعي التي عادة ما يمر بها الكتاب. قائلاً : “إذن علينا حين ننظر في اعمال الطيب صالح أن نركز على ظاهرته الأبداعية أولاً وقبل كل شىء لان مثل هذا التركيز هو الذي يكشف سر قدرته الفنية من خلال البنى الجمالية واللغوية التي صاغ من خلالها أفكاره الأجتماعية والتي أسميها أيضا بالبنى الفكرية”.
ويقول الناقد في كتابه أن أول ما أحدثه الطيب صالح في قرائه هو صدمة منهجية أثارت في نفوسهم كثير من التساؤلات حول طبيعة التكوين الفني في اعماله القصصية. وكانت هذه التساؤلات مبررة لان الطرائق التي اتبعها الطيب صالح في كتابة أعماله لم تكن مما هو مأثور في طرائق كتابة الرواية العربية .وعلى الرغم من ذلك أنصرف أغلب النقاد عن تحليل مكوناته الفنية واهتموا بعنصر المضمون وحده .
ويذكر الناقد في بعض تفسيره للتركيب البنيوي في قصة نخلة على الجدول، لقد كان الطيب صالح مدركا بشكل واضح عند كتابته لهذه القصة، لخصيصة التاثير السينمائي وهو تقديم الصور الفنية مما جعلها أكثر الوسائل تأثيراً في عقل الأنسان وعواطفه، حيث لخص المضمون الفكري للقصة كلها في عبارة “يفتح الله” التي بدأ بها كناية عن الرفض ، وهكذا لم تقدم القصة شئياً إضافياً من ناحية المضمون لقد أراد الطيب صالح أن يقدم عملا فنياً يستخدم فيه بنية (السنوغرافية وقد تجلت قدرته في ملاءمته البنية الجمالية والموضوعية في العمل الذي يقوم ببطولته شخص من البسطاء”.
ويقول في قصة دومة ود حامد ” لا يستطيع القارىء ان ينكر أن هذه المقدمة تحتوى على بنية موضوعية متكاملة فقد افرغ الكاتب فيها كل ما يمكن أن يقوله في قصة كاملة ولكن هل في وسع الكاتب أن يسمى تلك قصة أدبية؟. ليس في وسعه لان القصة لا تعتمد فقط على اكتمال بنيتها الفكرية فحسب في ذهن القارىء”.
ويبين أن الطيب في رواية عرس الزين نجده قد جعل العرس هو الخلفية التي تدور عليها الأحداث فهو بلا شك ليس أهم وقائع هذه الرواية ويجب ان لا ينصرف الذهن إلى أن في الأمر مراوغة حيث استجاب الكاتب لمقتضيات البنية الفنية ألتي اختارها وهي بنية رواية الشخصية. لقد أتخذ الكاتب من الزين مجرد خلفية أراد ان يصور من خلالها مجتمع ود حامد في مرحلة من مراحل التحول.
وفي رواية موسم الهجرة إلى الشمال اختار الطيب صالح بنية رواية الحدث ولكنه لم يتقيد بأسلوبها التقليدي الذي يلتزم سرد الأحداث في تسلسل تاريي تتابعي . لقد استخدم المؤلف مجموعة من التلوينات الجمالية تمثلت في الوصف والأثارة والجنس والالتفاتات التاريخية والجتماعية الذكية. تمثلت في استعارته من أساليب الأخراج السنمائي والأذاعي وبعض التكنيك الذي جعل من عمله مجموعة من الخلايا الحية تتواصل فيما بينها عملاً جميلا غنياً.
ويبحث الناقد في كتابه أدب الطيب صالح في منظور النقد السائد وقد تناوله من أربعة اتجاهات هي اتجاه النقد السوداني واتجاه النقد العربي الشامل واتجاه النقد الخاص واتجاه تقويم الكاتب الذاتي لأعماله الأدبية، حيث حاول من خلال هذه الاتجاهات أن يوجد تبريراً للاتجاه البنيويى الذي أختاره كما يقول.
ويرى الناقد أن النقد الذي قدمه الدكتور محمد إبراهيم الشوش يكتسب أهمية خاصة بسبب التصاق الشوش بالطيب صالح بحكم صلة القرابة بينهما وبحكم زاملته له ايام الدراسة في بريطانيا وبحكم التصورات العقلية والثقافية المتقاربة لللأثنين معاً. ويقول إن تلك الأسباب جعلت نقد الشوش يتسم بالاتزان والموضوعية بحيث يستطيع القول أنه أفضل النقاد الذين عالجوا أعمال الطيب صالح الأدبية حتى الأن.
ويوضح، حاول الشوش معالجة الرمز في عرس الزين ولكنه لم يضرب في بيداء قاحلة كما فعل غيره من النقاد الذين استهوتهم التخريجات القريبة، فقد ساقنا منذ البداية عبر تصور سليم لبنة العمل الأدبي. لقد وقف أول أمره عند الحركة غير العادية التي حدثت في القرية عند سماع خبر عرس الزين وتساءت عن الأسباب التي جعت ذلك الحدث أمراً غير عادي في القرية حيث اجاب ” فهو يخلق من هذه الجزئيات المتفرقة جواً خاصا يشوق القارىء ويجذبه إليه لسماع المزيد بعد أن استثيرت فيه حاسة حب الستطلاع.
ولقد لقي الطيب صالح إهتماما كبيراً من النقاد العرب تناوله كل من زاويته كما يذكر مؤلف الكتاب.ويقدم في كتابه نقدأ لما كتبه ثلاثة منهم هم الأستاتذة محي الدين صبحي ورجاء النقاش وعلي الراعي ويرى ان اهتمام النقاد بالمضمون والأفكار التي تقدمها هذه الأعمال وتصويرهم لها بأزمة الأنسان الأفريقي وقضية صراع الحضارات والثقافاتوالخير والشر قد شغلهم عن الأهتمام بالجوانب الفنية لهذه الأعمال.
التقسيمات النظرية لانواع البنى الروائيى المختلفة، درسها الناقد أيضاً في الفصل الكتاب الثالث واعتمد في تقسيمه على التقسيم الذي أختاره الناقد (أدون موير)، حيث يقسم هذه البنى إلى رواية الحدث، ورواية الشخصية، والدرامية ورواية الحقبة والرواية التاريخية والرواية الحرة. وقد جعل هذا التقسيم أساساً قاس عليه البنى الروائية عند الطيب صالح.
وطبق الناقد كل ذلك على خمسة من أعمال الطيب صالح وهي، دومة ود حامد، عرس الزين، موسم الهجرة إلى الشمال وبندر شاه، ضو البيت ومريود. وقد خلص فيها إلى “أن الطيب صالح قد أختتم بهذه المجموعة حلقة من حلقات إبداعه الفني ولكي ينطلق في مجال القصة العربية أمامه أن يثبت وجوده في مجال غير قرية ود حامد وشخوصها”.
الكتاب نشرته في العام 1983 مكتبة العلم بجدة، وقال الناشر أنهم إذا يقدمون هذا العمل الكبير لناقد من السودان أثرى الحياة الأدبية باعماله النقدية في السنوات الأخيرة، يدركون أنهم يقدمون في ذات الوقت اتجاها نقديا جديداً في الأدب العربي الحديث يعتبر الدكتور يوسف نور الدين واحد من رواده الأوائل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.