نار ونور – الشخصية الفذة بالاسم لا بالمنصب

ربيع عبدالعاطي

د. ربيع عبدالعاطي عبيد
* إن المناصب ، لا تصنع الشخصيات ، ولا تساعد على شهرتها ، وإنما قد يكون المنصب خصماً على المرء ، خاصة إذا كان الذى يشغله قاصراً ، ولا يملأ إلا مساحة منه صغيرة ، أو قد يحدث الشذوذ وتتجلى المفارقة بين المنصب ومن يملأه ، فيحرق إسمه ، وتشوه صورته ، ولا يذكره النّاس إلا بسوءاته و (طبزاته) ، فيختفى مسمى الوظيفة ، وتظهر فقط تلك الكلمات والعبارات التى كان يتشدق بها سابقة لإسمه ، وتظل نقطة سوداء تسيئ لموقع الوظيفة ولا يملك اللاحقون محوها ، وتبقى هكذا ، بثوراً كالورم الخبيث.
* والشخصية الإعلامية التى تؤثر بأدائها على الرأى العام ، سواء كان بالكتابة ، أو الرأى المنشور ، أو البرنامج المبثوث مسجلاً كان ، أو حياً على الهواء ، لا يشترط فيها أن تتولى إدارة ، أو تمسك بمقود هيئة ، أو تعتلى منصة تنفيذية ، أو تخلع عليها صفة دستورية ، وإنما يذيع أسمها وينتشر خبرها ، ويتهافت النّاس نحو الإستماع إليها ، أو قراءة ما تكتب ، أو مشاهدة برنامج هى من أطرافه من خلال محاضرات ، أو ندوات ، أو ملتقيات ، دون أن يدفعهم لذلك ما تشغله تلك الشخصية من مواقع ، أو الإلتفات إلى قرارات رئاسية قضت بتكليفها فى منصب رفيع .
* والذين ظلت أسماؤهم باقية فى ضمير الأمة من الإعلاميين والسياسيين والعلماء ، لم يلعب المنصب دوراً فى إنتشار أفكارهم ، أو إنحياز الجمهور نحو إنتاجهم ، لكنهم فرضوا أنفسهم للمستمع والقارئ والمشاهد ، وكان ذلك هو العنصر الرئيس الذى مكنهم من حفر أسمائهم فى ضمير الرأى العام ، فأصبح الباحثون يتخذونهم مرجعاً ، والعلماء يسترشدون برأيهم ، والجمهور يتقاطر نحو ما يعقدونه من محاضرات وندوات .
* وفى عالم السياسة وشؤون الإقتصاد ، وجوانب المجتمع ، لا تُصنع الشخصيات عن طريق أقلام تطبل ، أو خطرفات يلجأ إليها من إبتلى بالتردد على السحرة والمشعوذين ، وكثيراً ما سمعنا بأن شخصية مرموقة قد تعودت بالذهاب إلى شيوخ عرفوا بممارسة السُفْلى ليس من أجل علم ، أو معرفة يستفاد منها ، ولكن من أجل تثبيت فى وظيفة ومغانمٍ لها صلة وثيقة بالبقاء على كراسى السلطة ، وعدم مفارقة إمتيازات المناصب .
* وكما هى عقيدتنا بأن الساحر لا يفلح حيث أتى ، وكذلك المسحور ، فإن من يسلك هذا الطريق الوعر ، سيفقد ما هو حريص عليه ، كما يفعل الساحر الذى يتخصص دائماً فى التفريق بين المرء وزوجه، وكان الأولى لهؤلاء الذين يحرصون على المنصب إبتغاء لشهرة ، أو تحقيقاً لمصلحة ، أن يكفوا عن ذلك السبيل المخزى ، والمصير الأليم ، بتكثيف الجهد لإثبات ذاتهم بالتأهيل العلمى ، والأداء الجاذب و الأخلاق الرفيعة ، وتصويب هذا الجهد الذى تحرقه الشياطين والسحرة إلى ثمرات المطابع ، وكنوز العلوم ، وما يرفع سيرة المرء ، ولا يخفضها لتعبث بها الشياطين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.