نارُ ونور – الـتجـديـد والتحديث

ربيع عبدالعاطي

د. ربـيع عبـدالـعـاطـى عـبـيـد

لا يبقى الثوب على جسم صاحبه دون أن يصيبه البلى ، وتتمزق بعض أجزائه ،
كما أن ترتيب البيت من الداخل يظل أمرًا واجباً حتى بالنسبة لوضع الأثاث
، وتبديل الفرش ، والوسائد ، وقد تقتضي ضرورة التحديث مراجعة أرضيات
المنـزل ، وعزله ، وتغيير ما تقادم من مجارٍ وتوصيلات ، بفعل الطفح ، أو
تسربات المياه ، وكل ذلك لا يتم إلا بمرور الزمن ، وإن تغافل صاحب الدار
، أو العمارة على ما يظهر من إتلافات ، وأعطاب ، فإن المشكلة ستتسع ،
ويصبح الفتق عسيراً على الراتق .
والتجديد فى شأن الحياة ، لم يعد كما كان الحال فى السابق ، ذلك لأن
التطورات والمستجدات أصبحتا على (قفا من يشيل) ، ودونكم ما نراه من تبدل
فى ذهنيات الشباب ، وطرق تفكيرهم وضخامة طموحاتهم ، وهم بهذا المنحى لا
تشرئب أعناقهم إلى المستحيل ، بفضل ماتدفق لمصلحتهم من معلومات .
فبلادنا كانت لعهد قريب ، تعد مدارسها الثانوية على أصابع اليد الواحدة
، وجامعاتها محصورة فى جامعات بعينها ، وأغلب المواطنين ما كانوا يفكرون
فى سفرٍ ، أو علاج بالخارج ، أو هجرة إلى بلاد تقع خلف البحار ، ولكن كل
ذلك أصبح فى عالم اليوم ميسوراً ، وليس من رأى كمن سمع ، وعلى ضوء بعض
الذى ذكرت ، تغيرت المفاهيم ، وقفزت الطموحات إلى أقصى درجة من درجاتها
.
والذى كان لا يشارك فى الهم العام ، أصبح فى حالة هرولة تجاه ممارسة
حقه ، والذى يسكن فى بيت من الطين مسقوفاً بالحصير ، أو الزنك ، يتطلع
نحو بناء عمارة متعددة الطوابق ، أو فلة تحيط بها حديقة غناء .
أما فى مجال التطور السياسي ، فما عاد الأمر بالإمكان إحتكاره فى بيوت
تسمى بيوت السياسة ، والتداول حصرياً فى شأن الحكم فى كل أرجاء الدنيا
أصبح مستحيلاً وليس فقط فى جمهورية السودان .
والتجديد الذي نعنيه ، ينبغي أن يكون اتجاها عاماً لا نستثنى منه جماعة
، أو طائفة ، كما يجب أن ينتظم المناصب ، والمواقع والوظائف ، ومهام
المجتمع ، وأنشطة الأفراد .
وإزاء هذه الصورة الجديدة ، والمتجددة ، لا مجال لإحتكار رجل لمنصب ،
أو تدوير نشاط فى دائرة ضيقة ، وإن كانت محاولاتنا على أشدها ليبقى الحال
فى المربع الأول ، كما كان ، فإننا بذلك نتصادم مع الواقع ، ونجبر حركة
الحياة والأحياء بالسير عكس التيار ، والذين درجوا على مثل هذا الإصرار ،
جُرِفوا فتصدعت دورهم ، وهدمت قصورهم ، وأصبحوا كما نشاهد متهمين رقوداً
وليسوا وقوفاً فى أقفاص الإتهام .
ودعوتنا للتجديد ، ليست قائمة على حقدٍ طبقى ، أو طموح ذاتى ، أو حسدٍ
على القديم طلباً للجديد ، لكنها نداء أراه قد تم تبنيه من الكافة ، ثم
تشكل متحولاً من نداء إلى موقفٍ ، ورأى عام .
والذى يقف معادياً للرأي العام ، منتشياً ومعتداً برأيه ، لا شك سيكون
خاسراً ، فالتجديد موضوع للحياة ، وشكلها ، ولشأنها العام والخاص ،
ولموضوعاتها السياسية ، والاقتصادية ، والثقافية دون استثناء لمنحى من
المناحى ، أو وجه من وجوه الحياة .
إنها حركة التجديد التى لا نقصى منها الفكر ، والفقه ، وشئون الدين
والدنيا على نحوٍ سواء.
والذين يصرون على السير عكس التيار سيجرفهم وتتحطم أنوفهم ، وترتج
بالصخور الرؤوس والأمخاخ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.