رؤى وأفكار – روايات خاصة : صباحات التسبيح

ابراهيم الصديق - رؤى وافكار

د. ابراهيم الصديق علي
«1»
فى زواية المسجد هناك دائما ، أقصى اليمين ، يجلس عبده ، لم يحدث ان سبقه احد إلى هنا ، او على الاقل لم اره إلا فى ذاك المكان ، مديد القامة وعينان واسعتان وذقن خفيف ، وشارب مقصوص بعناية ، وجلباب ابيض ، يتقرفص ،يشد ساقيه الى رأسه ويتكور ، يبدأ بحركة بسيطة ثم يستغرق حتى تظنه غاب فى عوالم اخرى يهمهم ، وبين حين وآخر يعلو صوته «اللهم لك الحمد واليك المشتكى وانت المستعان وعليك التكلان ، سبحان الحى الدائم »..
وكل حين وآخر يخطو أحدهم إلى الداخل ، كأنهم يتعارفون من بين خطوهم ، كلما سمعت صرير الباب ، تجد احدهم يتفاسح فى المجلس ،
ذاك ملمح واحد فى زوايا هذا المسجد الصغير ، تتسلل الاجساد بلطف ، وتتقارب وانفاس الصباح تشرق فى النفس ، حبات المسبحة تتدلى بلطف ، تتوالى واحدة واخرى ، إحساس دافيء فى النفس ، مشاعر سكينة وطمأنينة ، القلق الدفين والهواجس والوساوس تنسل وتتفتت ، وتبدو الدواخل أكثر نقاءً ، الجسد الثقيل يتحلل رويدا رويدا وإشعاع داخلى يتسامى ، يتجاوز المحيط ويتصعد إلى أشواق أعلى ، والمسبحة تتدلى وتكاد تلامس الأرض ، ودمعة على الخد ، هطلت دون موعد ودون سبب ودون معاندة ، سبحان الحى الدائم ، يتحول كل شىء إلى وضاءة أكثر ، والمصحف هنا ،.وآية وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ، يا ودود ، تحلق بالافق وتسبح فى عالم سمائى … يعيد عبده ترتيب هندامه وتهتز دواخلى «ما أحلى التوق لعوالم الصفاء وقد تحررت الارواح ، وصعدت إلى هناك «اللهم إنه لا ملجأ منك إلا إليك» .. وما احلى نداوة الذكر وطلاوة الفكر وصباحات الجمعة ..والأوبة..
كأن رهق الأيام يتداعى والروح تعود نقية من الكدر وتمتلىء بفرح خاص وإحساس غامر..
«2»
ضجيج الناس يتحول الى همس رزين ، كأن القلوب وحدها عادت للحياة ، بينما الأجساد خاملة هناك ، والطيب يتفحص الوجوه ويتلفت ، يبحث عن شىء ما ، وقد أسفر نور شفيف على الوجوه ، وفى المحيط تتعالى اصوات المآذن وآى الفجر تشعل طمأنينة بديعة ..
يقف ، تنهض الارواح ، وتحتشد المشاهد ، كأنهم صيد يرد منبع ماء ، قلوبهم عطشى للسقيا ، والامام يتلو «والذين آمنوا أشد حبا لله» ، آهة كالوحيح من الصدور وفى ركوعه يستغرق عبده «اللهم أرزقنى حبك وحب من أحبك وحب ما يقربني إلى حبك وأجعل حبك أحب إلى من الماء البارد»..
«3»
حين تتراص الصفوف قياما ، تحس ان الابواب مفتوحة وان مغاليق كثيرة فتحت ، وان الداخلين كثر ، دون تزاحم ، هذه الوجوه تلفها لمسة عافية و سماحة تفوق الوصف.
والشيخ يقف هناك ، قال صلى الله عليه وسلم يوما «يا كريم العفو» فقال جبريل عليه السلام : أتدرى ما تفسير يا كريم العفو ؟ هو إن عفا عن السيئات برحمته بدلها حسنات بكرمه» وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا يقول :اللهم إنى أسالك تمام النعمة .فقال ، هل تدرى ما تمام النعمة؟ قال: لا ، قال «صلى الله عليه وسلم» «دخول الجنة» ، يشرق وجه الطيب وابتسامة نادرة تملأ وجهه ويتسامى حتى تظنه يقفز من مكانه او يحلق بجناحين ، ويمضى الشيخ بصوت هادىء وكأنه يضغط على مظان الخير فى قلوبهم : جاء إعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال : يا رسول الله من يلى حساب الخلق ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «الله تبارك وتعالى » قال الإعرابي: هو بنفسه ؟ قال صلى الله عليه وسلم : نعم ، فتبسم الأعرابي فقال صلى الله عليه وسلم «مم ضحكت يا أعرابي؟» فقال: ان الكريم إذا قدر عفا ، وإذا حاسب سامح » فقال صلى الله عليه وسلم «صدق الإعرابي ، ألا لا كريم أكرم من الله تعالى هو أكرم الأكرمين» ثم قال «فقه الأعرابي» ، يهتز عبده يهتز جسده كريشة على سفح موجة ، وتطل أشعة الشمس من شبابيك المسجد ، تتمدد فى عمقه وتتكشف حبيبات الغبار وحركة تموج فى الخارج ، الناس والحيوات والاطفال فى طريقهم للمدارس والنفوس طيبة ، بذات مشاعر التلطف تلك تنتشر فى الأرض وهى معلقة بأشواق السماء والقربى..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.