خاطرة – من حلتنا

محمد حامد جمعة

محمد حامد جمعة
اداوم بشكل متقطع – مخافة الادمان – على «إتيان» اكل «الفول المصلح « بمطعم صغير على شارع محمد نجيب ، قبالة المسجد الكائن على الشارع ، وللحقيقة فقد اضطررت لذاك الكنز الفولي ، مصادفة ، اذ ذات لحظة جوع الفيت نفسي مجذوبا بتناثر بعض عمال محطات الوقود ، وطالب مرهق الملامح ، ورجل ثري الملامح عطر الهواء بعطر نفاذ من ذاك الذي يبقى اثره ، قلت مكان يجمع هؤلاء في إشتراكية الفول و»الشمار» ينم عن ميزة للصانع فاستقمت ، لامنح «ماركة» واعبر لعامل اسمر من سخونة قدرة الفول ولهب لسع الصحون ، لفت نظري ان الفول كان ضخم الحبيبات مع لون هجين بين الاحمرار ، والسواد القليل ، كما انه حينما يكسر تنعدم فيه اغطية القشرة ، ويتحول مع دعكه بزجاجة «البيبسي» الى خليط حلو الاشتهاء خاصة ان عززته ببعض السلطات وشئ من «الطعمية» وان اجزل العامل عطاء الجبن والزيت السيال، كمسك ختام قبل حصولك على قطع ارغفة من عيش بلدي ، واذا رغبت فيمكن ان تفك مزالج الاغلاق عن شهيتك بغرف ما تيسر من «شطة» هي مزيج من شحنة بهارات قوية ذات لسع يشم قبل اختبارات ذائقة اللسان !.
مساء عدت الى هناك ، تخيرت مجلسي هذه المرة على «بنبر» استقبل به تخوم «حي الزهور» وهم نبلاء «الديامة» واواسط رايات امجادهم ، فيما تركت ظهري لحي العمارات الذي لا يزال يحتفظ بذاك الغموض وكبرياء المقامات ، لحظتها انتبهت لضجة صغار ، كانوا ثلاثة اظنهم بين السابعة والثامنة وربما اقل ، كانوا يديرون تقديرات حسابية ذات شغب لموازنة الحصول على «طلب فول» ، تكافلوا هذا خمسة وذاك ثلاثة ودفع اطولهم قامة عشرة كاملة ، كانت فيهم تلك الوسامة البريئة والجراءة التي تخالف اعمارهم ، يتبسمون في ود ، اظنهم قدموا من «دافوري» او تجمعوا تحت بند الصداقة الانسانية على موعد في زاوية زقاق ، بدوا لي من ذاك التشبيك القديم بين «الديم» و»العمارات» ، حيث لا يزال شارع الاسفلت الفاصل بين الشرق والغرب محايدا ، بل وموصلا قبل ان يفرق ، رغم انه – اي الاسفلت – يتجه من الشمال للجنوب والعكس .
افسحت لهم في مجلسي ، جلسوا بعد ان رموني بعبارة شكر لم يعقبوها بفضول نحوي مثلما افعل نحوهم ، كان مبلغهم بالكاد يسمح بطبق فول «سادة» ، وبعض ارغفة ، تدخلت بود لطيف استفسرهم «ناقص ليكم كم» اجابوني بالصمت الحذر ، لم يردوا ! عدت اكرر سؤالي ، اجابني اوسطهم الذي جر طرف كمه ليرد بعض شعث غبار فضح انفه السيال ، شفط بصوت مجلجل بعض البلغم ، حتى ان زميله ركله أن تأدب ، قال لي بعين تبرق بالشقاء سنتصرف ، لم ادعه يسرد لي صرفته ، استدعيت احد العمال ، وانا اشير اليهم «الشباب ديل معاي « كانوا حينها يحتجون وبعد مشقة الزموني بدفع الفرق كان نحو خمسة جنيهات تشمل حبيبات طعمية و»عيش زيادة» قلت «اتفقنا» فطاروا سراعا لفزع صناعة طبقهم بانفسهم واحضروه وحضر طبقي ، انغمسنا في اكل جماعي ، تركزت فيه معدتي على الانصات لثرثراتهم ، وضحكهم المطلق السراح من اي تحفظات ، لاحظت انهم اسرفوا في دلق الشطة بكثافة مخيفة ، اعتذروا لي بلطف فقد خلطنا الطبقين وانا «مسن» اتحاشى تلك الشجرة النابتة في اصل جحيم العلل .
قلت لا عليكم لكن تجنبوها ، دقائق وكنا قد احلنا الطبقين الى سطح سراميك لامع ، استطاب لي «تقريض» بعض الارغفة التي تركوها مزعا صغيرة ، احضروا لي كوب ماء قراح دلقته ، نهضنا فغسلنا ايدينا ، احترموني بالتنحي لي اجلالا وتجلة ، وحينما انقضى امرنا عدت للنصح «يلا بعد دا بيوتكم الزمن اتأخر» شكروني ثم توقفوا يودعون بعضهم عبر احدهم الاسفلت شرقا ، تجاه «العمارات» بينما احتوي زقاق مؤدي الى «الديم» الاخرين وقد توقفا حتى عبر رفيقهما «الزلط « فلوحا له مودعين وقد امنوا عبوره ، اختفوا في لحظات وغادرت المكان ، وفي قاع ذاكرتي اسماء وانداء ليال مماثلة مع رفاق ليت احدهم يقرأ هذا فيستعيد ماضي الايام والسير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.