نار ونور – المترددون في مواقفهم وكذلك المتذبذبون

ربيع عبدالعاطي

د. ربيع عبدالعاطي عبيد
لا يحدث التردد إلا إذا كان الموقف غير مبني على معلومات أكيدة، و منطلقات ثابتة بوضوح دواعيه، و معرفة منهج إتخاذه، والأهداف المرجوة منه.
فقد يهم أحدنا بإقامة مشروع إعتماداً على انطباعات أو تجارب إضطلع بها آخرون، فكان النجاح حليفهم فأصبحوا نموذجاً لمن يخططون، و مثلاً يشجع آخرين لتكرار ذات التجارب، بالرغم من إختلاف الزمان و المكان، و الفارق الكبير بين سعة المجرب الأول و من أراد أن يخوض ذات التجربة على سبيل التكرار و التقليد.
و في مجتمعنا السوداني نلاحظ بأن أهل المبادرات ليسوا كثرة، عندما نقارن أعدادهم بأعداد الذين يسيرون على خطى سبقهم عليها قلة من ذوي العزيمة، و هم أولئك الذين قادهم التفكير قبل العزم، و الدراسة قبل التنفيذ.
فإذا نوى بعض الأشخاص إتخاذ إجراء، تجدهم قد انفعلوا بواقع قبل إجالة النظر فيما يستدعي إتخاذ ذلك الإجراء من أسباب، فيكون إجراؤهم معزولاً عن المسببات، و بعيداً عن اللحظة الآتية بالرغم من الدواعي التي إقتضت أن يتخذ ذات الإجراء في مواجهة ما هو آتٍ و لكنهم لا يتخذونه باعتبار أدنى عنصر من عناصر ما يستجد من مستجدات أو ما سيأتي من لحظات تاليات.
و الذين لا يتجاوز نظرهم تحت الأقدام، قد يبذلون كل الجهد و ما فوق الوسع، لحل مشكلة ما كانت تستدعي سوى قدر قليل من الصبر، فتزول المشكلة بفعل مرور الزمن، و لا تستحق أن تقابل برهق أو عنت، أو غير ذلك مما يحتمل قدراً ضئيلاً من التفكير.
و التردد في إتخاذ المواقف سمة من سمات الذين ينأون بأنفسهم عن مشاورة أهل العلم، بإعتبار أن الذي يشاور هو من الذين يعانون ضعفاً، و يعولون على الغير، أو أنهم بلا إرادة، و لا يملكون القدرة لسلك طريق يؤدي بهم إلى النجاح، ما لم يتكئ معظمهم على من يعينهم على الإنتقال من خطوة إلى خطوة أخرى، و بعدم ذلك تتوقف مسيرتهم، كما يقف حمار الشيخ في العقبة.
و التردد في أصله ينبع من طبيعة جبلت على الإضطراب، و عدم الثبات إما بفعل البيئة التي نشأ فيها الفرد و كان محروماً من رسم طريق حياته، بتوفر كل المطلوبات من غذاء و كساء و حاجات له، أو بسبب آخر جعله طوال حياته تحت التوجيهات الآمرة و الناهية، دون ترك مساحة له ليتصرف وفق ظروف الحال و المآل.
و في زماننا هذا، درج الآباء و الأمهات على إعداد أبنائهم إعداداً يتسم بتوفير كل شئ لهم، فهم الذين يتجشمون من أجلهم كل المصاعب، بدءاً من التعليم قبل المدرسي و إنتهاء بما يلزم من تجهيزات و تسهيلات حتى في مرحلة التعليم العالي و ما بعده من جهد ضامنٍ لهم التوظيف و الزواج، و هكذا تدور الساقية.
و الذي يسهم في التردد، و إنعدام الثقة في معظم أجيالنا المعاصرة، له علاقة وثيقة ببناء الشخصية، فإذا كانت الشخصية قد تشكلت بموجب تجارب و معاناة، قوي عودها و تضافرت الظروف المختلفة التي مرت بها، لتصبح شخصية قوية المراس، مليئة بالثقة، و قادرة على التمييز بين الغث و السمين، و بين المفيد و الذي من شأنه أن يضيع الجهود، و يجنب الإرتطام بالصخور و يقي من الإنزلاقات تجاه المهاوي و من يفعل غير ذلك و يبني بناءه على شفا جرف هارٍ ،فلا منجى له بأي حال من مصير حتمي ينذر بالإنهيار.
و المترددون، تصاب في كثير من الأحيان مساعيهم بالخسران، و مواقفهم بالضعف، فلا يفيدهم درسٌ تعلموه، و لا نصيحة تبرع بها إليهم ناصحون.
و المتردد إذا كان حاكماً، سقى من يحكمهم من كأس تردده، فتصبح رعيته عبئاً ثقيلاً عليه، فلا تعينه على مصيبة حلت، و لا تقاوم معه عدواً يستعد للهجوم، فيحصد مثل هذا الحاكم حصاد التردد في خسران أمة، خاصة عندما يصدر قراراً فلا يجد من يدعمه لإنفاذه بسبب أن القرارات إن لم تكن متصفة بعنصر الثبات و القوة، لعصفت بها الريح بمثل الذي يحدث لأوراق الأشجار في فصل الخريف.
و المتردد في إقامة المشاريع السياسية و الاقتصادية و غيرها، ستتحول مشاريعه إلى سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، ذلك لأن المشروع و أي مشروع لا يحمل في مضامينه عناصر البقاء و عوامل الإستقرار ،لا يكون مصيره إلا كمصير المسافر في الصحراء، الذي لا يعرف الإتجاهات المؤدية إلى ما يقصده بهذا التسفار فيتجه تارة نحو اليمين، و تارة نحو اليسار ، إلى أن ينفذ الذي بحوزته من زاد، و هكذا تموت مشاريع المترددين، كما يلاقي الموت الزؤام من يرتاد الصعاب و هو لا يدري بأي كيفية يكون القهر و الإنتصار لمثل هذه الصعاب.
و فيما لو قرر جمعنا هزيمة التردد و المترددين، فليس لنا من مرجعية سوى قول الحق تبارك و تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين) و الفرق شاسع بين التوكل و التواكل و بين التردد و الإنطلاق من قاعدة متينة بمثل التي تنطلق منها الصواريخ العابرة للقارات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.