خاطرة – الحبر المبجل

محمد حامد جمعة

محمد حامد جمعة
حب جدا البروفيسير الحبر يوسف نور الدائم ، لعلمه وورعه وتقاه ، لتلك الروح «السودانية» المبذولة فيه مثل إشراقات الصباح ، رجل هو خليط من استاذ ومربي وعالم ، فصيح بأعلى مدارح الفصيح ، مفسر حداثي النهج للقرآن الكريم ، يجمع فيه بين علوم اللغة والبيان ، فيربط التعبير الكريم باثر الحديث ، وقديم الدلالات من الشعر الجاهلي ثم في قفزة عريضة يجر الخيوط لعامية العوام فيسند المشعل للاستنارة ببيت شعر من «حقيبة» او «دوبيت» ! يجول بك بين «ابن عمر « وورش والدوري ، يبرز امامك المتنبئ ، و»المساح دمع البكا « ثم يكمل لك اللوحة بمشهد من «ود الشلهمة « فلا تدري هل كنت في المدني والمكي ام انت في ابو دليق ، و»الكاسنجر « !
ينزل التقريب بين البيئة في السطر الى جغرافية المعايشة بتجميع المقال من مثل شائع وقول مأثور مما تعارف عليه السودانيون في سليقة احاديثهم غير المنقحة او الخاضعة للقواعد والإعراب ، ثم يخلص لبيان ساحر آخاذ جعل جهده في التفسير الصوتي للقرآن الكريم عبر اذاعة امدرمان في برنامجه «سحر البيان» كل مساء جمعة مادة محضورة اغبط «ولا أقول احسد» عليها الزميل عارف محمد أحمد حمدان الذي مرات يستبد به العجب والاعجاب فيصيح كصوفي مصروع ، الله ، الله ، ميزة الاستاذ الكبير ، والمبجل ان المكانة العلمية ، ووسم الريادة والقيادة والنباهة الباذخة لم تضعه في برج الخيلاء والعجرفة ، هو ذاك الرجل الاسمر بلحيته الوقورة ، يمشي بين الناس من «جامعة الخرطوم» الى «ابو كدوك» حيث منزله الذي رأيت ، باب تطرقه فينحل رتاج الترحيب عفوا ليلقاك ، بلا حرس وسكرتارية ، يضايفك كشيخ عرب يستبشر بقادم وهو ذاته «الحبر» الذي يحدثك عن «السروراب» وشمال امدرمان بذاكرة ريفي معطون في الارض والجروف ، وهو حتى مع من لا يعرف ذات الرجل ، مهابة وبساطة تسند هذه تلك .
اذكر استضافتي له بدعوة مني ونفر من الشباب والطلاب ، واظبنا حينما كان الزمان معطاء والقناعات بهية ليشرف منطقتنا بمحاضرة يمدها علينا من دلاء بحر الذاخر ، المملوء نعمة وعلما ، كان التقليد ان استضيف يومها الضيف الكبير ، كنا نتقاسم بر الاجر وعون التكافل ، حيث افطر معنا ، والايام رمضان على ان ننتقل عقب التراويح للمسجد الكبير ، حيث اقمنا منصة في ساحة المكان ، حضر البروفسير الحبر ، في اناقة العلماء الوطنية ، جلباب وعمامة ، ادخلته الى «الديوان» ولا اقول «الصالون» كنت اقنت لكي لا تخذلني مروحة السقف المتدلية مثل رأس «عيش ريف» ارهقته الايام ، حضرنا يومها فوج من الضيوف من اعراب اقصى جنوب دارفور وثلة من وشيج صلاتنا بكردفان ، تناثروا في المكان حتى ضاق عنهم ، حولوا النوافذ لمشاجب تزينت بالعمائم ، والضجيج وبعض اللحى ، توترت اذ اعرف انهم قوم على السليقة وخشيت صدم ضيفي بتلك الثرثرات التي لا تتقيد بالفقه او العلوم ، او البرتكول، فجلست وسطهم ظنا مني اني سانضح نبالهم ، لحيظات ووجدت نفسي بعد ان اماط ضيفي استار عدم المعرفة وسط اجواء مدهشة ، اندمج «الحبر» في الأنس حول «المد « والصاع ، وملح «ام طبيظ» وخرافات «ابو حنتولا».
بدا لي الرجل صاحب صلة بعوالم «الكلالي» و»التني» وظننت لبرهة انه تنشق معهم ريح «قروة» او قطع الطرقات في «المنشاق» ! قمت من مجلسي اتقرب لأرى يديه وهو قد ازاح «العباءة» والعمامة يرسل الضحكات المجلجلة ، بدا لي بعضا من شبح عمنا «حنجير» او كل سواد العين في نظرة الحاج «جبريل» الداهشة حتى انه – اي جبريل – انسرب من تحت غطاء عليه تسربل به مثل شيخ عباسي لينظر الى هذا «البقاري» الامدرماني من دار «صباح» ! حينما حانت المحاضرة كان خلق عظيم قد احتشد بالمسجد ، ساقهم الشيخ الحبر ، للمعاني بين الظلال والتلال ، سوق الاذكياء المقتدرين ، الكل سكوت ، لم يحط الطير على رؤوسهم ، هم حطوا الرؤوس في عمق محيط عالم ، الى اليوم كلما أغشى «البلد» هناك او يحضر ضيف منها ، يكون السؤال صحبك «الحبر» ..طيب ، اقول ..طيب زين ..حفظه الله ورعاه وجزاه عن هذا البلد الذي بمثله يطيب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.