نار ونور – السياسة و المجتمع بين علو الهمة وإنهيارها

ربيع عبدالعاطي

د. ربيع عبدالعاطي عبيد
* بحسب طبيعتنا الريفية، فإننا لا نستريح لمن يكلف بأمرٍ فيتعامل معه بطريقة الاسترخاء والتكلَّس، وأشد الذي نكرهه لدرجة البغض والاستنكار، عندما نشاهد رجلاً يسير في الطريق كأنه ميت، خاصة إذا كان يجرجر أقدامه متثاقلاً، ويطأطئ رأسه كالطائر الذي أصابته النبال.
* والرجل ذو الهمة العالية، والشهامة في المواقف، ومختلف المناسبات، تعرفه من سيماء وجهه، وسرعة حركته وجديته في تحمل المسئولية بأخذه لجميع الشؤون بقوة لا تحتمل أي قدرٍ من الهذر والمزاح.
* وكنت أظن بأن وضعنا السياسي الحالي، من الأوضاع التي لا يتناسب معها إلا أولئك الذين تنطبق عليهم الأوصاف المذكورة، ولكن لم أجد أن الإحساس بما يداهمنا من خطر، ويجابهنا من عقبات، يتناسب مع الذين يتصدون لها.
* فالأحزاب التي تدعي أنها نبتة وطنية، أراها تنخر في عظام هذا الوطن، كما ينخر السوس، وما أبشع ما يقترفه الفتى عندما يشين سمعة أهله، ويسعى بين النَّاس والعالمين ليلطخ سيرتهم ،ويقضي على كرامتهم، وهذا هو الذي تفعله أحزاب، كنا نظن أن فى قيادتها رجالاً لا تسقط همتهم، وتنحط مبادؤهم بسبب غيرة ترقي إلى درجة الداء العضال، الذي لا تعاني منه فى عرفنا إلا النساء.
* والنُّعاس الذي نلاحظه فى ممارسة العمل السياسي حتى من قبل أهل المبادئ، هو كذلك من الشرور المستطيرة التي تكون سبباً فى انهيار قدرة الرجال على مواجهة النائبات، ولنا فى ذلك أمثلة كثيرة تصلح للمقارنات والمقابلات.
* فأين ذلك الإحساس العالي بالدفاع عن هذا الوطن وعقيدته بالنظر إلى أولئك الشهداء الذين لم يكلفهم مسؤولٌ أو رئيس عندما وهبوا أرواحهم رخيصة فى معارك ما تزال فى قلب الذاكرة، منها معركة الميل أربعين ومتحركات استولت على بور ورمبيك وغيرها من مدنٍ.
* وأين تلك المسيرات الهادرة المنددة بالتمرد الذي كان قزماً، يلجأ أفراده إلى الأحراش والغابات عندما يهب المجاهدون آنذاك هبة واحدة فيرتد إلى أعقابه خاسئ الطرف حسيراً.
* والسياسة برغم سخونة أجوائها، وكثرة المنعطفات والتحديات التى تتخللها، لا أجد أن التعامل مع معطياتها، يتناسب مع أقل مقتضى من مقتضياتها.
* والملاحظ بأن ردود الفعل السياسي اتسمت بالنُّعاس والمواقف الخائرة وتلك من أعظم المصائب التي ستؤول بنا إلى ضعف، وتوردنا موارد الفناءوالهلاك.
* فيا أهل أحزاب السياسة والمتصدون لأساليبها ما هكذا يتعاطي الرجال، عندما يبلغ السيل الزبى وتستحكم الحلقات.
* وربَّ ناعسٍ نائم، أغرقه الطوفان والموج بسبب سقوط الهمة وفقدان الإحساس بدرجة الخطر.
* وكم تكون خسارتنا عندما يتجندل الرجال ، وتنهار المعنويات ، وتساس الأحزاب بعناصر بعيدة عن ما يشعر به الشعب من وخزات وآلام ، ذلك لأن المشروع الذي يناطح السماء، لا يقوم عليه من يجرجرون الأذيال ، ويتلعثمون في القول ، نتيجة للخيانة التي ضربت فيهم سويداء القلوب والأكباد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.