رؤى وأفكار – الوزراء والصحافة: رؤية مغايرة

ابراهيم الصديق - رؤى وافكار

د.ابراهيم الصديق علي
«1»
حين كان مانويل ماكرون رئيس الوزراء الفرنسي الحالي وزيراً للاقتصاد كانت شعبيته 11% فقط ، وكان الأقل حظوة في قطاع العمال بنسبة 6% ، ولكن ماكرون صعد دون حضور سياسي سابق أو خلفية مميزة، سوى الإعلام، والاحتفاء به من الصحافة وقادة الرأي، ولذلك يصلح القول إن «ماكرون رئيس صنعه الإعلام»..
والرئيس الامريكي دونالد ترامب الذي أحسن استغلال وسائل الإعلام في بث رسالته الشعبوية حتى نال أعلى نسبة تصويت وبفارق كبير عن منافسته هيلاري كيلنتون، ينحدر الآن إلى الهاوية، لأنه استعدى وسائل الإعلام والصحافة ضده، وبدأت الصحافة الاستقصائية تنخر في بنية فريقه السياسي وينهار كل يوم أحد ركائزها..
التذكير بهذا، يأتي على خلفية تصادم مستمر بين الصحافة وبعض الوزراء، وآخرها حادثة وزير النفط عبد الرحمن عثمان، وذلك مرده إلى غياب الخبرة في التعامل مع الصحافة وحساسية الكلمة والمفردات ، وقلة الثقة والشك في مهمة الصحافي .
«2»
إن لهذا الاشتباك مظهرا، وسببا، ومظهره غياب منصات للصحافة وتتدفق من خلالها المعلومات، حيث أغلقت أبواب الوزراء أمام الصحافة، واضطر الصحفي للبحث عن الوزراء في الفضاءات المفتوحة ومنها المجلس الوطني أو المناسبات العامة، لقد كانت للوزراء التزامات أسبوعية أو يومية مع الصحفيين في وزاراتهم، وكنا في ثمانينات القرن الماضي ، نلتقي الوزير مرة في الأسبوع ، أو بعد كل حدث ، وكان الزملاء فى الدوائر «الاقتصادية، الخدمية، السياسية ..» أكثر حضوراً ومعرفة بالأحداث والأخبار، واليوم فإن الأخبار تأتي انتزاعاً من قبة البرلمان أو «نتف» في التواصل الاجتماعي أو من خلال تسريبات خاصة، وهذا أمر معيب.
وثاني المظاهر، انعدام منصة مرجعية، لماذا يلهث المحرر في ردهات البرلمان خلف الوزراء أو المسؤولين؟ لماذا لا تتوفر معلومات وبيانات من خلال «منصة للتصريح وبيان صحفي يومي يلخص الجلسات بما يحقق حد أدنى من المعلومات»، إن وجود قنوات فاعلة أمر في غاية الأهمية، إن المحررين في الدوائر والمنصات المختلفة هم «ملح» الصحافة ومستقبلها، وهنا تبنى التجارب والمصادر والمعارف.
«3»
وللكلمة سحر، وتأثير، فهل تم اعطاء الوزراء أو المسؤولين «تنويرا» فقط من 30 دقيقة عن كيف تتعامل مع الإعلام؟ وهل هناك مذكرة صغيرة دليل التعامل مع وسائل الإعلام والصحافة؟ وحدود التعامل؟ والرؤية في كل حدث!
يمكنني أن أخمن بأن أمراً من ذلك لم يحدث، وتبريري بسيط جداً وهو سعي الوزراء إلقاء المسؤولية على جهات أخرى؟ إن الوقود وندرته قد لا تكون مسؤولية وزير النفط بعد توفيره للكميات؟ ولكن هل تنصله من المسؤولية هذا يعفي الحكومة؟ بالعكس فإنه يعطي دلالة سالبة لعدم التنسيق وغياب الرؤية واعتراف بتقصير آخرين..!
«4»
وتبقى أهمية الاشارة لنقطة جديرة بالوقوف عندها، وهي اتخاذ التصريحات مصدرا لغالب الأخبار في الصحافة السودانية بدلاً عن الصحافة الاستقصائية والبحث والتنقيب، وحتى التحقيقات، إن الفرصة متاحة الآن لتعزيز هذا الاتجاه.
والثاني هو اخفاء متعمد للوقائع، وحين يلتقي رئيس الوزراء ويناقش أزمة مع أحد الوزراء إنما يفعل ذلك من باب المسؤولية، والمتابعة، وبعد نهاية اللقاء يأتي تصريح الوزير ليحدد اتجاه اللقاء والذي – دائما يكون فى صالح الوزير ، ومؤمناً على مقترحاته، ويمكن أن نتصور ماذا يكون ملخص خبر زيارة رئيس مجلس الوزراء إلى مصانع السكر لو لم تكن هناك وسائل إعلام وصحافة، سيكون الخبر «لقد اطمأن سيادته على سير العمل وأشاد بحسن الأداء»، أظن هذه التصريحات من الوزراء تعتبر اختطافا لحقيقة ما جرى واخفاء للأدلة ، وتحديد التصريح وما يجب ان يصرح به هو الجهة الداعية اي مجلس الوزراء او البرلمان …
من السهل التلاسن، وهناك ألف سبب للتشاحن، والنقاش، والتداول والاعتراف بالأدوار وحدود المهام وحده يمكن أن يحقق موقفاً مشتركاً قابلاً للبناء عليه.
ولنا عودة باذن الله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.