نار ونور – الكلمات المؤثرة روحٌ وحياة

ربيع عبدالعاطي

د. ربـيع عبـدالـعـاطـى عـبـيـد
• كثيرون أولئك الذين يكتبون ويتحدثون ، وكم من كُتَّاب يسودون صفحات
الصحف ويؤلفون الكتب ، ولا أحد ينتبه ، أو يتأثر بما قالوه ، أو سجلوه.
• كما أن المساجد مليئة بالخطباء الذين يلقون خطبهم على جمهرة من
النَّاس، فلا يفهم منهم أحد ، ولا ينجذب إليهم المستمعون ، وإذا سألت من
كان حاضراً لتلك الخطبة لما تذكر منها شيئاً سوى صدى الكلمات ،
والسياسيون هم كذلك ، قد أدمنوا الحديث ، ولكن قد تجد بينهم من أصبح
خطابه ممجوجاً و مكروراً ، ومثيراً للسخط إلى درجة بأن الذين يغتاظون
منهم ، يغلقون المذياع ، أو التلفاز بشكل عنيف ، دون أن يرتكب أي من
الجهازين إثماً سوى أنه كان ناقلاً لذلك الحديث.
• والغريب في الأمر بأن هناك قولاً بذات المضمون ، قد يتفضل به وبتلاوته
شخص ما دون أن ينعكس تأثيره على السامعين ، بسبب أن ذلك الشخص غير قادر
للإتصال ، إما بفعل صوته الغائر، أو طريقته في الإلقاء ، أو ربكته التي
كانت وراء إرباك السامعين ، وعدم قدرتهم لتمييز ما يقول.
• ولكن عندما ينهض شخص آخر، ليخاطب بذات المضمون شريحة من الشرائح، أو
مجموعة من النخب الفكرية ، أو الشعبية ، يحظى خطابه بإهتمام بالغ ، ويؤدي
إلى نتائج وآثار تنعكس على محيا السامعين رضىً ، وبحسن استيعاب ،
واستقبال ، ويكون السبب في ذلك بأن هذا الأخير، يتمتع بمهارات الأداء ،
وصفاء الصوت، ووضوح العبارة ، لحرصه ، ومحافظته على درجة الإتصال العالية
مع الذين يخاطبهم.
• وقد يفشل المدرس في توصيل المادة للطلاب بالرغم من غزارة علمه، ونبوغه
في التخصص الذي جعل منه أستاذاً، وخوَّله بأن يقف ليصبح معلِّماً للأجيال
، ولكن للأسف ، يُردُّ عدم إستيعاب الطلاب لما يقول، وما درسهم إليه من
دروس ، إلى الطريقة المفتقرة لمهارات التدريس ، وهي عنصر من العناصر التي
أصبحت علماً يسمى في كليات التربية (مناهج وطرق التدريس).
• والكلمات ـ قد تكون ميتة بلا روح ، عندما تنطلق من ألسنة تعوزها
الفصاحة ، وتفتقر للمبين والصريح ، وما يمكن أن نطلق عليه بأنه قول
مستوعب ، ومفهوم.
• كما أن هناك كلمات لا روح فيها ، أما بسبب ضعف مضمونها ، وغموض معانيها
، أو بفعل الذي يقولها ، وتنقصه رباطة الجأش، ووضوح العبارة ، أو لذبذبة
الأداء ، أو لإحساس السامعين بأن محدثهم لا يؤمن بما يقول ، وعندئذ ،
تتحول الكلمات إلى وضع يغلب عليه الموت ، وتغيب عنه معالم وسمات الحياة.
• ويقول شهيد الإسلام سيد قطب بأن كلماتنا تظل عرائس من الشمع، حتى إذا
متنا في سبيلها دبت فيها الروح ، وكتبت لها الحياة.
• والفرق شاسع بين الذي يكتب شعراً ، أو يروي قصة من نسج الخيال، ولا
علاقة لها بما يجري من واقع ، ومفكر عانى في سبيل نشر فكرته فلقيه العنت
والنصب وواجه المخمصة ، إذ أن هذا الأخير لا يكتب كلمة إلا وتدب في
ثناياها الروح ، و لو بعد حين، وما يصدِّق هذا القول سوى رواج فكر الشهيد
سيد قطب بعد استشهاده، وهو الأمر الذي جعل من كتاباته ، في ظلال القرآن،
ومعالم في الطريق ، ونحو مجتمع إسلامي ، وغيرها هي المادة الفكرية
والثقافية لطلائع الزحف الإسلامي وبعث الأمه ، بعد موات حل بها من جديد.
• وتبقى كلمات القرآن حية في صدور الرجال ، وفي واقع الحياة ، ومصدر
الفلاح ، وعنصر الإنتصار ، بالرغم من قدم تاريخ نزولها على محمد بن
عبدالله رسول هذه الأمة ، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
• والاستجابة لكلام الله وتنزيله ، هي إستجابة لما يحي ولا يميت ، ذلك
لأن كلمات الحق لا تموت ، ولكن الذين يموتون هم أدعياء الحق ، وليس
دعاته.
• وموت الكلمات يتأبط دائماً أولئك الذين يقولون الحق لكنهم يريدون به
تمكين الباطل، وهؤلاء لا تختفي ، أو تغيب معالمهم على فطن ، أو عاقل ،
ذلك لأن أخص خصائصهم تتمثل في لحن القول، وهم كذلك أولئك الذين يقولون
قولاً بالليل فيمحوه النهار والعياذ بالله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.