رؤى وأفكار- الحفارون: ليسوا ملائكة ولا شياطين

ابراهيم الصديق - رؤى وافكار

د. ابراهيم الصديق علي
“1”
.. “الحفارون” مصطلح أصبح سلعة هذه الأيام ، كلما استعصى على احدهم تفسير موقف أو تحليل حدث ، او استصعب الاقتناع بقرار لم يجر على هواه ، لجأ إلى الحيطة الأقصر ورمى بالأمر على صيغة التجريم المبهمة ان هذا من صنيعة من أهل “الحفر”، وهو أمر فوق أنه تعبير عن عجز وقلة حيلة، فإنه محاولة “لشيطنة” كل أهل السودان بأنهم يحملون المعاول لبعضهم بعضاً، وبالأكثر فهو أداة أكثر “للتبشيع” بالحكومة وحزبها ووصفهم بأنهم جميعا قلوبهم شتى ، وللأسف فإن هذا الأمر ومغازيه ودلالاته قد انطلى على البعض ، وأصبح ذلك شغلهم الشاغل يعيشون في وهم متخيل.
.. إن الحركة والسكون بأمر الله ، والانتقال من موقع إلى آخر رهين بمطلوبات محددة ، و مواصفات ومعايير -، قد تتوفر حيناً ثم تتغير وتتبدل وتتقلص الفرص إلى أن تحدث النهاية ، ثم أن التنافس بين البشر أمر عادي ، والسعي إلى تحقيق النموذج والترقي مطلب إنساني لا ضير فيه ، بل إن أساس الأحزاب هو السعي إلى السلطة والتمكن منها لتحقيق الأهداف ، ولذلك فإن مقولة “لا للسلطة ولا للجاه” ليس مقصوداً منها الزهد في إدارة الدولة أو مناصب الحكم وإنما المعني هو السير بالمنصب واستغلاله لتحقيق الخير للناس وبسط معنى الاستخلاف ، ولذلك جاءت مقرونة بـ”هي لله” ، ودون أن نكون مثاليين في تعبيرنا، فإن البعض سعى إليها بظفره وكلكه، وكم من قليل الرأي ومجروح الحجة نال المنصب دون وجه حق وقديماً وهذا لا ينقص من ميزة وجود انقياء وخبراء واهل اخلاص نالوا المواقع بحقها ، وقديما قال الشاعر:
كم من قويٌ قويٍ في تقلبه
مهذب الرأي عنه الرزق منحرف
وكم ضعيف ضعيف الرأي تبصرة
كأنه من خليج البحر يغترف
“2”
إن محاولة رد كل أمر أو قرار إلى جهد خفي أو مكر دابر، هو عمل بئيس، وبعضاً من مخطط لتشويه الصورة الذهنية للبعض، لقد اشتهر اليسار السوداني بالاغتيال المعنوي لعضويتهم وقيادتهم، وثاني سكرتير للحزب الشيوعي عوض عبد الرازق طرد في العام 1952م، حين نادى بالانفتاح على القوى السياسية وذات المصير ناله شيبون شاعر الحزب وغيرهم، فالدعاية السوداء والإشاعات والاتهامات المجانية في الأزقة الجانبية تعتبر السمة البارزة في تاريخ التجربة السياسية اليسارية، وتحاول الآن من خلال آليات الإعلام الشبكي رمي التجربة السياسية الحالية بذات أزمتها ووزر تاريخها..
إن المسؤولين في السودان، والقيادات المجتمعية ليسوا ملائكة، وإنما بشر يخطئون وتتقاذفهم حظوظ النفس، ولذلك كانت القوانين واللوائح والنظم، ولكنهم بالقدر نفسه ليسوا “شياطين”، فالتدافع سنة بشرية والتفاضل بين الناس ميزة انسانية، فلتكن تلك خياراتنا دون أن نرمي خسران معاركنا على أيدي خفية أو جهات ما!..
وقد تنامى هذا الإحساس عند البعض حتى تصوروا كل صيحة عليهم، ووراء كل حدث أو قول هناك “حفار”، كأنما هذه الدولة ومؤسساتها تحولت إلى مركز واسع “للقيل والقال” وإدارة حملة “الوساويس” والهواجس، إن أكبر قيمة يمكن أن نخلص إليها في تجربتنا السياسية، اعتماد اسهام مؤسسات الدولة وفاعلية الأحزاب باعتبارها محاضن للقرارات ومراكز للفحص والتقرير ، وحتى لو كان ذلك محل تقصير أو مظنة ميل شخصي، فالأمور السياسية ذات ميزة وخاصية نسبية في الاختيار والانتقاء، ثم إحسان الظن بالناس والوطن وأهله ، .. وربما يستحق الأمر عودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.