نارونور – الإرتجال ومضاره

ربيع عبدالعاطي

د. ربيع عبدالعاطي عبيد
يفعل الإرتجال مفاعيل مؤذية جداً على الأوضاع المختلفة ، بسبب أن القرار غير المدروس ، والموقف الإنفعالي ، والإجراء الذي ينطلق كردة فعل ، كلها جوانب تقود نحو إفشال المساعي ، وإحباط الجهود ، وتسرب الآمال ، لتبقى كذرات رمل تهوي بها الريح إلى مكان سحيق .
* وأشد الأضرار التي تترتب ، عند ما تتخذ مثل هذه المواقف ، بأن تتأثر دولة ، ويتأذى مجتمع ، ويصبح الأفراد في متاهة من حيث الحاضر والمستقبل ، حيث تمس مثل تلك الأحوال معيشتهم ، وأمنهم ، وسلامتهم ، وغير ذلك من الشؤون ذات العلاقة الوثيقة بمختلف جوانب الحياة ، وإتجاهات الدولة والمجتمع إذ لا يجدي معها أن يتحكم في دفتها ، وأشرعة ضبط حركتها ، إلا من يأنس في نفسه الكفاءة ، ويستعين بمن يسنده بالرأي السديد ، القائم على الروية والهدوء ، والتعويل على البيانات والمعلومات التي تنير الطريق ، وتمثل المشاعل للإسترشاد ، وضمان الإهتداء .
* ولقد علمتنا الأيام بأن من يرتجل قراره ، ولا يضع لمن ينصحه إعتباراً ، فإنه يسقط على قفاه ، ويجني نتائج تصرفاته أسفاً ، وحسرة ، وعضاً للبنان.
* أما الذين يتريثون في قراراتهم ، ويجمعون المعلومات التي تمكنهم من العزم والقدرة ، فيكون قرارهم ثابتاً ، ومواقفهم صريحة ، فهؤلاء هم الذين لا يحصدون ندماً بعد قرار ، ولا يخيب لهم ظنٌ بعد موقف .
*ومن أهم القرارات والمواقف التي تتطلب تثبتاً وتبيناً هى تلك التي تتصل بالحاضر والمستقبل ، خاصة إذا كان هذا الحاضر له علاقة بأمة بكاملها ، وأن ذلك المستقبل يتصل بجيل لا بدَّ أن يحصَّن من متغيرات الظروف ، وصروف الدهر ، وطوارئ الأحداث .
* ومن الإرتجال ، أن يتخذ إمرؤ قراراً بقطع العلاقات مع أحد أفراد أسرته لأن في ذلك الإثم العظيم ، والأثر الخطير ، إذ يقول الحق تبارك وتعالي : ( فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ «22» أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ ) سورة محمد الأية « 23 « .
* ومن العيب أن تنشأ مؤسسة بناء على قانون ، أو نظام أساسي فينفرد في إتخاذ القرارات فيها رجلٌ واحد ، أو أناس تربط بينهم علاقات مريبة ، فتتعرض هذه المؤسسة إلى الإفلاس ، وتنهار فوق أصحابها ، وهم لم يرتكبوا ذنباً ، أو يجترحوا سيئة ، وهنا يصدق قول الشاعر :
وَجُرْمٍ جَرّهُ سُفَهَاءُ قَوْمٍ وَحَلّ بغَير جارمه العذاب
* وهكذا فإن الإرتجال ، والإنفعال ، وردود الأفعال لا تصلح لبناء الخطط الإستراتيجية ، ولا تفيد بل تكون سبباً جوهرياً لإنهيارات كما يحدث ذلك بالجرف الهار .
* ولا غرابة أن يكون فاعلوها كمن لا أرضاً قطع ، ولا ظهراً أبقى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.