خاطرة – عوالم المدينة

محمد حامد جمعة

محمد حامد جمعة
عالم صغير ، هو عالمي ، اركز فيه صباحات عزمي ، اخلع عنده نعالي المغبرة المرهقة ، اذ عادة أقتحم المدينة باكرا ، اكره علل الزحام ، لحظت ربما لعامل تقدم العمر وعلى عكس ما توقعت ، اني صرت اكثر حدة ، لسعة بوق سيارة تهتك ستر أعصابي ، مخاشنة مع متسرع ، ينزلق في فرجة امامي تستدعي عندي الإحساس بمرارة تحدر الغيظ من الانانية ، أصيح عادة «انت أرجل منا « تعويذة الحماقة السودانية الاثيرة ، مرات اشيع هذا الصنف بلعنة ، مرات اسد عليه البوصات ، حتى لو أدى ذلك للمجازفة بحياتي ! لنا الصدارة دون العالمين او قبر إجراء رجل المرور العريض «رخصكم» إخدشت او خدشت – بضم الثانية-.
النهوض باكرا يجنبك هذا كما انه يسبل عليك بركات الفجر ، وانسام انفاس الدنيا قبل ان ترسل المصائب ، عادة اتحصل على كوب شاي ، ربما اتصفح صحيفة وان كان غالب الوقت اقضيه في نضح ثرثرات مجموعات التواصل الاجتماعي ، تطالع مرات حكمة واحيانا إشاعة وكثير من مضغ لحوم البشر كفكة ريق ، كذلك اشغل نفسي بخافت «حور» في عين بائعة الشاي «جميلة» ، مهاجرة اظنها قدمت من عميق يقظة جندي حسن الانضباط ، عادة تحضر باكرا بشكل ينم عن يقظة وحرص يخالف الحذر والكسل ، ترش المكان فيهدأ الغبار ، ترص الكراسي ، تنثر ذاك الضوع من البخور ، تستقبل الزبائن بغنج رصين ، وضارب «دوشكا» عند حور عينها اليسري فتصرع ، من يريد الجلوس دقائق ليقيمها نصف ساعة ! وما حياة لموتاها الا اذ اكتظ المكان وسخنته انفاس المواجد والمواقد .
في ذات المكان تعرفت عليه ، عامل في عمر صبي ، يشدك بابتسامة راسية ، ينحدر من جبهته الى ذقنه ، شعر مجعد ، حولت الشمس والغبار ومزيج لحيظات الابتلال والوضوء مع بيئة السوق والزحام الى لون زيتي مرمل ! هو احيانا يوزع الطلبات ، ومرات يقيم «صاج» لصناعة الطعمية المدعمة ببصل امام مدخل المكان ، هذا اذا أمن غاشية رجال المحلية ، مرات يمر على اصحاب المركبات يمارس عليها حرفة «جلخ» الغسل والنظافة ، هو فوق هذا وفي اقدار كسب الرزق ماسح احذية ، ان عسر يومه وضعفت الخيارات ، ولما كنت يوميا اغشى المكان ، احيانا يتأنس الحضور حول كرة او سياسة وبعض وارد الحديث فقد امتدت الوشائج بين الكل ، صاروا مثل حشد شخوص في خشبة مسرح عرض يومي للحياة ، فيهم المحامي وبينهم المصرفي ، صاحب مطعم مجاور ، طبيب عيون من ابناء الابيض لا يزال بنضارة ابن ريف لم يتلوث ، هناك سمسار كذوب القسم ، يبيع في الهواء صفقات لا اظنه ينجز فيها عقدا ، هناك كذلك صامتون لا يفكون شفرة سكونهم ، هناك ذاهلون يحادثون صدى شفط المشروب الاحمر او القهوة ! .
وهكذا كتلة ملونة من كل الجهات ، سمر وبيض وخلاسيون ، اه .نسيت هناك عرب وشوام وأجانب بنظارات سوداء ما ان ينهض احدهم مغادرا حتى يندلق نفط النميمة الاسود ، هذا جاسوس ، لا اعرف من جذر هذا الإعتقاد ، فمما يبدو عليهم بؤس أزمة لم يبح بها ، اه ، نسيت كذلك ، اسمر مسود ، يحضر دوما في جلباب مغبر ، يحادث الهواء ، اظنه يكرع مشروبا من تلك الازقة ، اغرب ما فيه ان حديثه حول مكرمات ، وحض على صحيح الدين والسلوك ، كنت احب تفرس مقاطعه ، عليه ملمح جميل ، ووجه جاذب ، وعلامات مريحة لاستقبال بعض ضحكاته العابرة ، القادمة دون تقدير موقف ، هووووو ، يضحك فتمتد العدوى منه فنضحك ، جميعا ، فيمتد هو مواصلا الضحك ، مثل موزع مقطوعة ومايسترو ، خفض عصاه ، بضحكته ورفعها بضحكتنا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.