رؤى وأفكار – سد النهضة: دور سوداني

ابراهيم الصديق - رؤى وافكار

د. ابراهيم الصديق علي
«1»
.. قضية سد النهضة تعتبر أكبر تحديات المنطقة والاقليم، في مجالاتها السياسية وأبعادها الاقتصادية وتأثيراتها الاجتماعية، فقد كانت المواقف متباعدة لدرجة بعيدة في العام 2012م وحين أطل مجموعة من السياسيين والخبراء المصريين وعلى الهواء مباشرة يتحدثون عن خيار عسكري، وهو أحد أكثر السيناريوهات تهوراً وبؤساً ودلالة على عجز الحيلة، ومع ذلك فإن الأمر انتقل تدريجياً إلى حوار وتداول ونقاش.
.. أكثر محطات التحول في مسار قضية النهضة كان في مارس 2015، ومن خلال التوقيع على إعلان المباديء العشرة في الخرطوم والذي كان علامته الفارقة:
– اعتماد الحوار والتفاوض سبيلاً للوصول إلى حل والوصول إلى تفاهم.
– عدم تضرر أي طرف من قيام السد، وبذات تفهم للأطراف لحاجة أحد الأطراف الاستفادة من مياه النيل لأغراض الطاقة الكهربائية.
– سد الباب أمام أي تدخلات أجنبية في الأمر، حيث أغلق امكانية مساهمة أي جهة أخرى، فالأمر متروك لوزراء الري وفي حالة أي خلاف يتم رفع القضية إلى رؤساء البلدان الثلاثة.
وفي كل هذه المراحل كانت مساهمة السودان واضحة، من حيث المهنية العالية في وضع الدراسات والبحوث وقراءة المؤشرات، فقد تطابقت الرؤية السودانية مع أكثر من تسع مؤسسات أكاديمية ومراكز بحوث متخصصة دولية وأممية، وقد اكسب ذلك أطروحات السودان مصداقية أكثر وثقة من كافة الأطراف، خاصة وأن السودان لم يكن وسيطاً، وإنما صاحب مصلحة حقيقية وطرفا ضمن أطراف ثلاثة.
«2»
لقد كانت السمة المائزة للدور السوداني في قضية النهضة، تتمثل في التركيز على المصلحة الوطنية، واختارت الحكومة السودانية ممثلة في وزارة الري والموارد المائية أن تتعامل مع القضية وفق ذلك، وهو أمر يتطلب مهنية عالية واحترافية في إعداد الدراسات والبحوث الفنية والاستعانة بالخبرات في هذا المجال، وقد سهلت هذه الاحترافية من اتخاذ القرار ووضع السياسات العامة، وقد جنب ذلك السودان حالة الاستقطاب أو التجاذب السياسي، وخرج بالقضية من الملاسنات والهدر الإعلامي إلى منهجية علمية ودراسات موضوعية.
لقد كان الموقف السوداني الرصين سبباً وعنصراً فاعلاً في التقارب وازالة حدة الاحتقان، وهو موقف جنب هذا الاقليم تدخلات أجنبية وأجندة كبرى، إن هذه الدول يعيش فيها أكثر من 250 مليون نسمة، وأي اضطراب سياسي أو أمني سيكون تحدياً كبيراً ليس للمنطقة وإنما للعالم أجمع، إن سوريا التي لم يكن عدد سكانها يتجاوز 15 مليون نسمة أحدثت أكبر أزمة انسانية في تجارة البشر واللجوء والهجرة غير الشرعية.
لقد اطمأن الجانب الاثيوبي، كما اقتنع الجانب المصري أن السودان يسعى إلى تحقيق استقرار المنطقة وعدم الاضرار بأي طرف ودون تفريط في مصالحه، وربما لهذا السبب تكون المقترحات السودانية أكثر مقبولية وموضوعية لتبديد المخاوف والهواجس وتعزيز التوافق، إن مفاوضات النهضة تمثل أحد الشواهد الناصعة لأدوار السودان، وكل القائمين عليهم يستحقون الاشادة والتقدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.