رؤى وأفكار – بروف الحردلو: رحيل شيخ العرب

ابراهيم الصديق - رؤى وافكار

د. ابراهيم الصديق علي
«1»
مع أنه أول من تحصل على درجة الدكتوراة في منطقة البطانة، وأول من نال درجة الأستاذية «برفيسور»، إلا أن أحب الأسماء للبروفيسور ابراهيم أحمد الحردلو أن تناديه باسم «شيخ العرب» وقد استوفى المسمى حقه كرماً وبساطة خلق وسعة بال ودماثة خلق واستقامة سيرة، رحم الله البروفيسور ابراهيم أحمد الحردلو أحد علماء بلادنا الأفذاذ في مجال اللغات، وقد رحل يوم الأحد الماضي بهدوء بعد اصطبار دام زمناً مع المرض، فقد نال من جسده، ولم ينل من روحه، وعزمه..
ومع سعة المعرفة بالحظوة العلمية للبروفيسور ابراهيم أحمد الحردلو، إلا أن د. علي الحاج الأمين العام للمؤتمر الشعبي قد كشف حقائق جديدة واشهد عليه من حضر كلمته في نهاية رفع المأتم، وقال «إن معرفتي بالبروفيسور ابراهيم بدأت في العام 1959م، وإن كان مشهوراً أنني أول من رفع الأذان فى جامعة الخرطوم ، فإن البروفيسور ابراهيم الحردلو كان أميرنا في ذلك الوقت في الحركة الإسلامية، وهو من تقدم اماما لصلاة المغرب في ذلك اليوم»، ورجل بهذه الجسارة والاستقامة ظل شديد التواضع، قال ابنه صلاح:
قلت لأبي: قالوا إنك أول من نال الدكتوراه في البطانة، فأجابه، ربما عمك أحمد ابراهيم..
قال له صلاح: قالوا إنك أول من حصل على الأستاذية، قال ربما عمك أحمد ابراهيم..
قال له ابنه: لقد تأكدت من زملائك في جامعة الخرطوم، أنك كنت الأول، فرده بلطف، إياك أن تقول ذلك لأحد أو تتكلم به أمام أحد.
درس البروف ابراهيم في مدرسة رفاعة ثم جامعة الخرطوم، وعمل في محطات متعددة في السعودية وكان ملحقاً ثقافياً في القاهرة وظل وفياً لجامعة الخرطوم، وكلية الآداب، وهو أحد السودانيين القلائل الذين يجيدون اللغة «العبرية» مع العربية والانجليزية، وقد وفر له ذلك ثقافة موسوعية وحقق دراسات كثيرة منها شعر جده الحردلو وكتابه أصبح مرجعاً، في تاريخ المنطقة وفي تاريخ السودان.
«2»
في حياته كلها، كان سمت بروفيسور ابراهيم «الاستقامة» و»الصلاح»، في عفة القول وسماحة وأريحية التعامل ورفعة مقام العلم والمعرفة، حيث إن قضية العلم والمبدأ الأكاديمي يمثلان «رسالة مقدسة».
قال البروفيسور عبد الله الطيب في أحد لقاءاته وتعليقاً على شعر الحردلو الجد «إن الشكرية فيهم السياسة وفيهم الحرص»، وكان يشير إلى غياب توثيق أشعار الحردلو في نقد المهدية وان ذلك الشعر لم يتم ايراده حرصا من اهل البطانة وعلاقتهم مع حزب الامة ، ومع صحة ما أورده البروفيسور عبد الله الطيب، فإن سمة الشكرية التجاوز وعدم التوقف في المحطات الصغيرة، وقديماً قال شاعرهم:
ثلاث خصال أشهد عليهن الله
الجود والكرم وعقبان بعدي الزلة
وكان البروف ابراهيم من أصحاب الهمم العالية في طلب العلم وزيادة المعرفة والمعالي، لم تشهد له الساحات فحشا في القول، كما قال صديقه ورفيق دربه بروفيسور أحمد ابراهيم ابوسن ، وتحدث البروفيسور الحبر يوسف نور الدائم عن تواضع وسعة معرفة بروفيسور ابراهيم أحمد الحردلو، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها»، لقد كان شفيفاً وعفيفاً وعالماً ورعاً، ظل في صومعة قناعاته لم تغيره عاديات الأيام أو حادثات الليالي..
رحم الله بروفيسور الحردلو، فقد كان منارة علم، ونموذجا لأصالة الأكاديميين السودانيين، قوي الارتباط بقيم منطقته من البشاشة والكرم وعزة النفس.. والعزاء لأسرته الصغيرة زوجته وأبنائه وبناته واخوته، وعشيرته وطلابه وزملائه.. ولمثله يسكب المداد ويتقاطر الدمع لولا جسارة التصبر وحسن الظن بالله، إن أمثاله من الصالحين مع الشهداء في حواصل طير خضر، تغيب أجسادهم وتبقى ذكراهم وإرثهم من العلم وحسن السيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.