رؤى وأفكار – روايات خاصة: زروق: رحلة فكرة

ابراهيم الصديق - رؤى وافكار

د. ابراهيم الصديق علي
«1»
.. كانت بدايات ثمانينات القرن الماضي، مرحلة تشكل في البناء المعرفي، والجامعات كانت في ذلك الوقت منارات للجدل والمحاورة والعصف الذهني، وفي منابر الطلاب الصاخبة، كنا نتابع بتلهف الخطباء، ابن عمر محمد أحمد وحسين خوجلي وحسن فضل المولى ومحمد عبد الرحمن عجول والمسلمي البشير ومعتصم الفادني وخالد حسن ابراهيم وعبد الرحيم عمر محي الدين، وكانت أركان النقاش يتسيدها محمد طه محمد أحمد والدالي وعبد السميع حيدر، وجلسات الحوار الشيق تجد هناك المحبوب عبد السلام ومحمد حسن زروق، ذلك تاريخ لم يوثق ولكنه بعض من الذاكرة ووقائع الأحداث وشواهد التاريخ..
.. حدث جليل، ذلك الذي أصاب الحركة الإسلامية ما بعد المصالحة، فقد اتسع الخلاف وحدثت المفارقة، بين الاتجاه الإسلامي، والاخوان المسلمين في منابر الجامعات، وكان الوقع قاسياً على طلاب جامعة أم درمان الإسلامية، وقد خرجت (الأمانة) بأغلب عضويتها وانحازت إلى جماعة الاخوان المسلمين، وحتى رئيس الاتحاد وأغلب أعضاء اللجنة السداسية قد مالوا إلى جماعة الاخوان المسلمين ، وحدث تفتت كبير، وكان نتيجته سقوط الاتجاه الإسلامي في انتخابات الاتحاد في العام 1891م.
«2»
.. اقتضت عملية إعادة البناء، انتقاء قيادة جديدة، وتم اختيار أغلبهم من طلاب السنة الأولى والثانية، وكان من بينهم الطالب محمد حسين زروق «أميناً سياسياً»، بأفكار جديدة، وبروح جديدة، تستند إلى المنطق والفكرة والمجادلة..
.. وكان عصياً على أمثاله السير في مجتمع شديد التمسك بمعاييره الخاصة وطرائقه التقليدية، ولكنه سعى إلى إحداث تغيير، وأذكر في اجتماع عاصف وكنت حديث عهد ان جاء الأمين العام يستعرض تقريره ، وقال «إن رأيي كان كذا وكذا، ولكن زروق أقنعني أن رأيي خاطيء مع أنني أعرف أن رأيي صحيح»، كانت تلك إشارة لروح هذا الشاب في المثابرة والمنطق وجزالة الحوار..
.. كنا نستمتع بحلقات نقاش محمد حسين زروق، حيث تتوفر لنا معلومات جديدة عن الحياة السياسية في السودان، وعن مؤسسات الدولة وأنظمة الحكم وأذكر ان أحد قيادات الحزب الاتحادي قد كال للحركة الإسلامية بالنقد وهي تشارك في منظومة سياسية تتعامل بالربا في الاقتصاد، وبهدوء كانت تتدفق اجابات زروق، (قد تكون معلوماتك صحيحة، نحن نسعى للتغيير، ولكن لعلمك فإن رئيس مجلس إدارة البنك الإسلامي هو السيد أحمد الميرغني، وإن بنك كذا هو بنك الأنصار فأنتم تعايشتم مع الربا ونحن نبحث عن بديل».
«3»
.. في تلك الغرفة، التي يتشاركها محمد حسين زروق والأخ محمد يوسف آدم وحمدان، كان يقرأ صحيفة النيوزويك، وحين كان ذلك الجيل يقرأ كتابات المودودي، كان زروق شديد الاعجاب بأفكار مالك بن نبي، وعلي شريعتي وعبد الحميد بن باديس ومحمد حسنين هيكل، كان نسيجاً وحده من البحث والتنقيب والقراءة العميقة والهادئة، وأكسبه ذلك رؤية أكبر للواقع في بعده المحلي والاقليمي، وربما ذلك كان محل اهتمام أكبر من قيادة الحركة..
«4»
.. على غير العادة وجدت محمد حسين زروق في ذلك اليوم شديد الانهاك، وهو يكتب موضوعه لجريدة (المرصد) الحائطية، ودمعة ينسكب والحزن بادٍ على وجهه، وفي اليوم الثاني، علقت الصحيفة وعلى صدرها نعي للقيادي الإسلامي التيجاني أبو جديري، وهو أمين العلاقات الخارجية بالحركة الإسلامية، وكان لأول مرة يطرق الاسماع اسمه، فقد نشأ زروق في حضن الحركة الإسلامية وتعرف على تفاصيلها وقياداتها وروادها، وذلك شأنه في حياته كلها، البحث والتنقيب وزيادة المعرفة..
وكان آخر لقاء لي به في قنصلية السودان بدبي مع الأخ السفير محمد حسن ابراهيم، وحدثني عن أرشيف السودان في بريطانيا ودعاني لضرورة الحصول على هذه المواد المصورة، وعرفت أنه قد تحصل على الكثير من الأفلام المصورة والتي تعبر عن السودان في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، وأرجو أن يسهم الأخ مصطفى البطل في هذا المجال، وهو أحد المهتمين بالتوثيق والتنقيب عن تاريخ السودان وكنوزه المعرفية.
لقد رحل أبو ابراهيم، محمد حسين زروق، بهدوء مثلما كانت حياته كلها، في الرصانة وقوة الشكيمة والاخلاص لقناعاته وأفكاره، وشديد الانفتاح على الآخر، فأهل المعرفة لا يضيقون بالرأي الآخر أبداً..
فقد كان رسمه يسبق سمته، لأن أفكاره ورؤاه وبحوثه ومساهماته الفكرية في منابر عديدة كانت لافتة للنظر وعميقة في التناول، بينما يتسم في شخصه بالتواضع الشديد والبساطة، رحمك الله أخي زروق فقد كنت تمثل جيلاً وثاباً للمعرفة والسعي إلى المثال والنموذج.. وألزم أسرتك وأخوانك ومعارفك الصبر وحسن العزاء..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.