نار ونور – الخطاب السياسي وآلياته (1)

ربيع عبدالعاطي

د. ربيع عبدالعاطي عبيد
* لم يعد الخطاب السياسي والإعلامي يتخذ الصورة الثابتة على ضوء متغيرات السياسة ، وأحوال المجتمع ، ورياح التغيير التي ضربت العالم ، وشملت المضامين ، والمعايير ، والمقاصد ، وبالتالي فإن الذين يتولون صياغة هذا الخطاب معنيون في المقام الأول بإستيعاب ما يحدث ، وتوقع ما سيكون ، وإستصحاب الحاضر الذي نشهده ونحس بقضاياه ، ونجتهد لتجاوز تحدياته ، ومصاعبه .
* ومفردات الرسالة السياسية ، ورصيفتها الإعلامية ، لا يمكن عزل الأولى عن الثانية ، ولا إعتبار الأمرين بمثابة عمل تكميلي لنشاط ، أو عددٍ من النشاطات خاصة وأن السياسة والإعلام قد أصبحا هما اللذان يوجهان حركة الدولة والمجتمع ، وذلك يتمثل في تشكيل الرأي العام ، والمساهمة في التوعية والإحاطة بحيث يتقدم الرأي العمل ، وتتفوق المعاني على المباني ، إذ لا فائدة في مبنى دون معنى ، كما لا معنى لبئر معطلة ، وقصرٍ مشيد إذا جاز لنا التشبيه بتعطل الآبار عندما يسفه الرأي ، والقصور تشيد عند ما يطغي الإستكبار ، وتعلو توجهات الإستبداد ، وهكذا تعطل الآبار .
فالخطاب السياسي الذي يتخذ منحى فردانيا ، ويفتقر للعناصر الواقعية ، وتغيب في صفاته سمات المرونة ، والحكمة ، والسماحة ، أو أن تكون مضامينه بعيدة من الواقع وليست معبرة عن حاجات الجماهير ، ومقتضيات الظروف فهو بالتالي خطاب إستعلائي قد لا يجد من يستمع إليه ، أو إن وجده فإن الإفادة الراجعة في مثل تلك الأحوال تكون سخرية ، وإستهزاء ، ومعارضة قد تتحول إلى ما يشبه الصدام ، والنزاع .
وآليات الخطاب السياسي ، ليست آليات يمكن أن يجتهد حولها المجتهدون ، أو يحددها من لا يحيط بمواصفات كل آلية من حيث الطبيعة ، والقدرة ، ودرجة التأثير .
*ونلاحظ بأن أشخاصاً ، قد إستوعبوا مضامين الخطاب السياسي ، وأحاطوا بمطلوباته ، لكنهم غير قادرين بحكم طبيعتهم لإيصال جزء يسير من الرسالة التي إحتواها ذلك الخطاب إما لعجز لديهم ، أو قلة خبرة ، أو ضعف مهارة ، أو عناصر أخرى جعلتهم ليسوا من الذين يعول عليهم ، ذلك لأن لكل خطاب عناصر للمهارة ، ولكل جمهور لغة ، بل لكل وسيط طبيعة تلزم من يستخدمه بأن يكون على وعي بما يستدعيه اللزوم .
ومخطئ من يظن بأن الخطاب السياسي والإعلامي بالإمكان إسناد أدائه للكافة ، فمن النَّاس من يجيد الحديث في الغرف المغلقة لكنه يُرفض من قبل السامعين والمشاهدين إذا ظهر لهم في قناة إذاعية ، أو تلفزيون فضائي .
ومن الإعلاميين من تحسبه ماهراً عند ما يكتب مقالاً ، أو يجري تحقيقاً ، أو يعقد حواراً لكنه لا يستطيع مخاطبة جمهور ، أو وصف حدث ، لأنه لا يتمتع بصوت جذاب ، ولا بلسان ذرب .
والذين يهتمون بصياغة الخطاب السياسي عليهم أن يدركوا بأن الذي يكتب غير الذي يتحدث ، وقد تتجمع هذه الصفات في شخص واحد ، ولكننا على قناعة بأن مطلوبات الخطاب السياسي ليست أمراً يسيراً ، وإنما يعتبر هذا الشأن شأناً تخصصياً لا يضطلع به إلا ذوو التخصصات ، ويؤديه أصحاب المهارات ، وعلى من لا يأنس في نفسه الكفاءة أن يحصر نفسه في الغرف المغلقة ، لأنه إذا تعرض للوسائط الإعلامية لإنكشف وضعه ، وخاب فأله ، وفشل خطابه ، وما كان ينبغي له أن يخوض في مثل هذا المضمار .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.