نارٌ ونور – عندما يتساقط الرجال

ربيع عبدالعاطي

د. ربيع عبدالعاطي عبيد
✓ لا تكتشف المعادن وقوة المبادئ، إلا عندما تحل النائبات وتكشر المصائب عن نابها، وتكثر الإبتلاءات، وفي هذه الحالة لا يأتي إلى دارك أو يشمر ساعد الجد للدفاع عنك والذود عن حياضك إلا من يهمه أمرك، وتدفعه مبادؤه نحو الوقوف بصلابة إلى جوارك، حاملاً سلاحه، رابط الجأش، صعب المراس من غير تزحزح، أو تردد.
✓ وتظهر القيم الأصيلة، والخصائص النبيلة والعلاقة المتينة لدى الذين شربوا من معين فكرك، و إختلطت همومهم بهمومك، ولم يجمع بينهم وبينك مالٌ في تجارة مادية، أو مصالح وقتية، وإنما كان الرابط رابطاً مقدساً، لا تنحل عقده، ولا تنفصم له العرى.
✓ والدول التي ينهض لبنائها، أصحاب الأفكار، ودعاة المبادئ، والذين تتجسد صفاتهم في المصداقية والشفافية، وعدم كتمان النصيحة، هم الذين ينتصرون لك، ولمجتمعهم، ويرفعون شأن دولهم فلا يجاملون عدواً، أو يبتزون صديقاً، أو يفرطون في أصل من الأصول، وهؤلاء سيماؤهم في وجوههم، أما غيرهم، فليس إثبات لخصائصهم سوى لحن القول، وتناقض الباطن مع الظاهر، وعبادة المصلحة حيث لا مبدأ، ولا عقيدة، حيث ينكسرون في أو إختبار، ويذوبون ذوباناً يفوق ذوبان الملح في الماء.
✓ وتساقط الرجال، ليس أمراً غريباً ولا مظهراً يحتاج إلى دلائل بحكم أحداث الحاضر ومجريات الماضي، والوقائع التي تبديها تداولات الأيام.
✓ فالدول التي سقطت، والإمبراطوريات التي زالت، والقيادات التي وجدت نفسها معزولة عن الجماهير، لم يكن يضرها سوى أؤلئك الذين تسربلوا بثياب الخداع، والذين تجمهروا بمثل فقاعات الهواء، وزبد البحر عندما تهيج الرياح، ولكن لحسن حظ من يعرفون قدر الرجال ويقدرون قيمة المبادئ يعلمون بأن الزبد يذهب جفاءً، ولا يبقى إلا ما ينفع الناس.
✓ ودعاة الباطل قد تعلو أصواتهم، ويكثر هرجهم ومرجهم، بمثل الشجرة الخبيثة التي يكسوها الإخضرار، ويقف الناس مشدوهين أمام إستطالة جذعها، وكثرة أوراقها، وتمدد فروعها، ولكن عندما يتذوقون ثمرها فهو مرٌ كالحنظل، ولا تقترب حتى الأغنام لتأكل ما تساقط منها، كأنها تعلم بأن الشجرة الخبيثة لا تثمر إلا ما هو خبيث وسام.
✓ والسلع الغالية، بمثل الخامات الأصيلة، ذات شكل ومخبر ومضمون، لا يتناقض ظاهره مع باطنه، وقد يكون هذا التشبيه مطابقاً لمن يقول فيفعل، وهؤلاء هم الذين يتدبرون في قول الحق تبارك وتعالى (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (الصف3)
✓ ومن أمثلة الثابتين على مبادئهم، والمنافحين عن عقيدتهم، أؤلئك الشباب الذين ضحوا بأرواحهم فواجهوا فوهات المدافع، وقدموا التضحيات لتصبح أرواحهم فداءً، وحياتهم ليست مقابلاً لشهادة كانوا يتمنونها، ففضلوا الآجلة على العاجلة، والآخرة على الدنيا، طمعاً في ثواب وجنات للخلد ينعمون فيها بمقعد صدق عند مليك مقتدر.
✓ أما الذين يتساقطون وينزون فإن المبادئ بالنسبة إليهم، لا تساوي شيئاً، ولا تعبر في حسابهم إلا عن صيغة لا يؤمن بها سوى المغفلين، وما أكثر أمثال هؤلاء في عالمنا وواقعنا المعاصر.
✓ وياليتنا وهبنا الحكمة وفصل الخطاب والقدرة على التمييز بين الرجال وأشباه الرجال.

2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.