رؤى وأفكار – روايات خاصة : حين يبكي القلب

ابراهيم الصديق - رؤى وافكار

د. ابراهيم الصديق علي
«1»
الشجيرات الظليلة والنسيم العليل ولمع البروق وهديل القماري ودفق السيل المتدافع ، كلها تهيج المشاعر ، تعيد الاشواق واللحظات الشفيفة تلك ، وكنا حين نستريح في مقيلنا ونوقد نارنا بين ثلاث حجارة وقليل حطب وننصب «حلة» اللبن وقليل من الشاي ، نبدأ في لحظة الهدوء والصفاء تلك تبادل عزف الحان «الزنبارة» او نأي هذا الزمان ، تشعر كل شيء ينصت ، فهذه الاداة شديدة الحنين ، كأنما تخلخل دواخلنا وتجدد مشاعرنا لتغدو اكثر رهافة واحساسا.
لمحة بسيطة وتهز الدواخل ، هبة نسيم او طيف عابر او نغم حنون ورزين وكان الحردلو قد قال :
هَبْهَابْ الشَمَال الجَانِي نَسَّام رِيحُه
حَرَّك سَاكِناً أَزْمنْ كَتَمْتَ وَحِيحُه
الجَرْحَ الدَلَكْ نَيُّه وقَطعْ من قِيحُه
فتقُو علَيْ بُرّيبْ نَامَة بَيْ سُريحُه
وذات النسيم اهاج لواعج ود شوراني وزاد وحيحه وضجيج قلبه:
الَبارحْ نَسِيم رِيحاً طَلَق من جَبْرَه
ذَكّرْ عَقْلِي بِي وَدْ العَنَانِيف هَبْره
أحْ من فِلانه وجَرحهَا المَاببرْه
قَلْبِي عليها نَاح بعد اليقين والصَّبْره
والاماكن – دائما – تثير الحنين والشوق وقديما قال قيس بن الملوح ، في واحدة من اكثر قصائد الحنين رقة ، يغالب قلبه ، ويحادث نفسه :
اما واعدتني يا قلب أني … إذا ما تبت عن ليلى تتوب
فها أنا تائب عن حب ليلى … فما لك كلما ذكرت تذوب
ويضيف موقعا على دفتر الديار:
أمر علي الديار ديار ليلى … أقبل ذا الجدار وذا الجدارا
وما حب الديار شغفن قلبي … ولكن حب من سكن الديارا
وتترك تلك البيئة الرسم في الوجدان والحواس ،وفي القصة المشهورة ان علي بن الجهم بعد ان رق احساسه كتب اجمل وارق قصائد الحنين:
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري
اعدن لي الشوق القديم ولم اكن سلوت
ولكن زاد جمرا على جمر
ولم يكن الشاعر اسحاق الحلنقي بحاجة للجسر وهو ابن كسلا الوريفة والجنائن الباسقة والجمال الاخاذ ، حين هزت العصافير شغاف قلبه ووجدانه في رحلة ذات اصيل :
هجرة عصافير الخريف
في موسم الشوق الحلو
هيج رحيلا مع الغروب
احساس غلبني اتحملو
وكتمت أشواق الحنين
داير الدموع يتقلو
ورجعت خليت الدموع
ينسابو مني وينزلو
وهذا عنوان قديم ، لأن الحمائم اكثر اثارة للحنين وقد قال جحدر العكلي
وَمِمّا هاجَني فَاِزدَدتُ شَوقاً
بكاءُ حَمامَتَينِ تَجاوَبانِ
تجاوبتا بلحن اعجمي
علي غصنين من غرب وبان
وتشابهه لوعة الشيخ قال أحمد عوض الكريم ابوسن في مسدار رفاعة:
طبق نور الصباح بعد النهار ما برد
فرد الخب ويقن لي النجيع اتجرد
يا القمري العلي راس الغصينات غرد
وين المن زوال الحي سلولا ازرد
«2»
حين تتدفق الالحان يكون للكلمات معان غائرة ، تغوص بك وتجتاز المسافات ، وتحلق بالاحساس ، في بلاغة السر قدور وسطوة لحن محمد ميرغني:
حنيني اليك
وليل الغربة اضناني
وطيف ذكراك
بدمع القلب بكاني
ولكن الحنين عند روضة الحاج ترحال دائم واعتراف واستسلام وهو عنوان للبعثرة والتشتت:
اليوم جئت لاعترف
والجرح في الاعماق بكاء نزف
والنفس بعثرها الحنين
وشفها التذكار
والتذكار شف
وعلي عتبات الامسيات ، يتكاثف الحنين ، والليل في الغربة ، وفي السهاد قرين الاشواق ، وذلك ما عبر عنه سليمان العجيمي ، وكل حين «يتاوره» الشوق ، ويدق في قلبه :
الليلْ بوبا واتخافضْ نُواح السُقْدَّه
وحبلَ الريده رابِط في الحناجِر عُقدَّه
صَقْرَاً في القلِب كُلْ حِينْ بِياخُدْ نَقْدَّه
إسمو الشوقْ وما بخَليكْ تَضُوقلَكْ رَقْدَّه
وللمطر احساس اخر لدي نزار قباني ، وكأن قطرات المطر لفح سموم ، يحرق الحشا:
أخاف أن تمطر الدّنيا ولست معي فمنذ رحت وعندي عقدة المطر
كان الشّتاء يغطّيني بمعطفه فلا أفكّر في بردٍ ولا ضجر
كانت الريح تعوي خلف نافذتي فتهمسين تمسك ها هنا شعري
والآن أجلس والأمطار تجلدني علي ذراعي علي وجهي علي ظهري
«3»
وفي الليالي الصافية حيث تتبدي النجوم تنير الدرب للسالكين وتلهم الشعراء معاني الوضاءة والجمال ، فان ود السميري يمضي ليله كله يتابعها في لهفة يتعايش مع السهر وتأبى عينه الغمضة «الغميد»:
لامِنْ غَابَنْ الخَيلْ والعِصِي وكَافِرْهِنْ
النَومْ رَاسُو يا الغَجَري المُقَلْ نَافِرْهِنْ
سِتَاتْ الصُبَا الأبي يِنْبَلِسْ غَافِرْهِنْ
وا وَيلَكْ شِبِعْ لَهَطِي وبِقِيتْ تَابِرْهِنْ
تعبيرات شاعرنا الصادق ود آمنة عن الحنين موغلة في الحس والعصب ، وهو يتكبد ألم الجرح الغائر في الوجدان في الليالي الشتائية ، وقد سكن الشوق «جوة جوة القلب « ، مما نسميه «سويداء الفؤاد» :
جروحك نوسرن بعد الصقوط ما شاتن
ظروفك جوه جوه قلبي المفوت باتن
غرامك منو كرعي قنبن إتخاتن
كريفك دواء جروحي وعروقي الماتن
وثمة مقاربة لطيفة تترآى لي في توارد الخواطر والاشواق بين الصادق ود الحلال وقيس بن الملوح في ذاكرتهما المشحونة بالحنين والاشواق حيث يقول الصادق وقد اهاجته «زنباره» احد الاطفال :
زمبارة الوليد زادتني في الغضبين
طريت جهلي وزمان أهلي مسين لي قرين
طريت مهلي وطريت شيوم أم زين
هبش راسي ولقيت عامتني شيبًاً شين
ولكن طفولة قيس غامرة بمحبة ليلى في كل تفاصيلها :
تعلقت ليلى وهي غر صغيرة
ولم يبد للأتراب من ثديها حجم
صغيرين نرعى البهم يا ليت إننا
إلى اليوم لم تكبر ولم تكبر البهم
وتبقى القلوب الرقيقة وحدها ، تهزها تلك اللحظات ،
إذا أنت لم تعشق ولم تدري ما الهوى
فكن حجراً من يابس الصخر جلمدا ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.