نار ونور – تقديم الأفضل والمفضل واستخدام آليات الصعود

ربيع عبدالعاطي

د. ربيع عبدالعاطي
بسطت أمامي بعض الكتابات التاريخية ، ووثائق عديدة تحمل بين طياتها ، ما يمكن إعتباره قاعدة للبيانات عن أهل السودان ومبادراتهم ، والحقول التي أصابوا في مضمارها نجاحاً منقطع النظير ، فبزوا بذلك الكثير من الأمم والشعوب ، وياليتنا نضع ذلك أمام أبصارنا ونتفحّص ما يحويه التاريخ بقلب مفتوح ، وحياديه تمكننا من إستغلال تلك الثروة الغالية ، وذلك الكنز المطمور ، وهاتيك القدرات الفذة ، مما جعل هذا البلد مثلاً يحتذي ، ونموذجاً يقتدي به ، في مجال الكرم ، والأخلاق ، والقيم الرفيعة ، والتسامي علي الصغائر ، والبعد عن الأحقاد ، والمدرسة التي يشار إليها بالبنان في مجالات التسامح والصدق والتسابق نحو الخير تكافلاً وتآزراً .
وعندما نحزم أمرنا ، وننوي إعادة الذي ضربه النسيان ، أو شغلتنا عن قراءته مجدداً مشكلات الحاضر ، فإن الزاد الأوحد في هذه الحالة ، إجالة النظر للوراء ، وإستلهام العبرة من الماضي ، وتثبيت الأقدام علي أرض الواقع ، والإستعداد للإنطلاق برصيدٍ أتوقع أنه سيجعلنا نحلق في فضاءات بسعة طاقة عظمي ، وليس تحليقاً قائماً علي خيالٍ منسوج .
والذي يملك ثروة ، ويتمتع بما يؤهله للمنافسة ، ولايدخّر وسعاً في إستخدام جميع إمكاناته لإثبات الذي يقوده نحو تحقيق المكاسب والأرباح ، ويعود عليه ثمراً مضاعفاً ، ومحصولاً وافراً ، وكفاية له ولمن حوله ، فإن هذه النتيجة تتطلب منه جرأة في إستخدام القدرات ، وتوكلاً يستند علي ركائز ، وإقبالاً مجرداً من التردد ، وإصراراً علي إختراق جميع الحواجز والقضاء علي ما يعترض هذا المنهج من إنسدادات .
ومن الإنسدادات التي تعيق أصحاب السلطة والثروة ، ولا تمكنهم من الوصول إلي غايات نبيلة ، ومحصلات إيجابية ، ألا يستعينوا بقيادة هي الأفضل ، أو يجبنوا في إستغلال الأمثل ، فيستبدلوا التي هي أحسن بالتي هي أسوأ ، ويستجلبوا أجهزة مضروبة وآليات رخيصة في وجود الأجود ، فتحل الخسارات ، وتطيش السهام ، وتضيع الأموال ، وما أفدحها من خسارة ، عندما يقبل أحدنا علي شراء فشلٍ بماله ، وتخريب عامرٍ بإستعمال مهندسٍ لم يعرف بأنه خبيرٌ ، إلا عندما يهدّم المبني ، فتكون قدرته فقط علي إزالة الإنقاض .
وهذه البلاد ، مرّ عليها حين من الدهر ، تقدم للبذل والتضحية من أجلها علماءٌ أصابوا ذروة العلم ، وشبابٌ ينضح عنفواناً ونشاطاً ، وكوادرٌ راسخة في المبادئ ، وعميقة في الفكر ، فكان ذلك الذي رأيناه من نتائج باهرة ، ومشاريع حيوية ، وإرتياد السودان لآفاق جعلته محطاً للإهتمام من قبل الأصدقاء والأعداء علي نحو سواء .
والولايات المتحدة الأمريكية تلك التي تتربع علي عرش النظام الدولي لم تبلغ هذا المقام ، وإن كان مقاماً مادياً تعوزه الروح ، إلا بأن الذين قادوا مسيرتها ، وطوروا من صناعاتها ، وضربوا الرقم القياسي في إنتاجها الحربي ، وقدراتها التكنلوجية ، لم يكونوا من متواضعي الثقافة ، أو الذين يكتفون بقشور العلم ، وإنما أولئك الذين غاصوا في جوانب المعرفة المادية وتحصلوا علي دررها ، فأحدثوا ذلك التفوق الذي جعلهم لا يأبهون بصغير ولا كبير ، ويشنون الحرب علي من لا يحقق لهم ما يبغونه من مصالح ، فمصالحهم هي التي ترجح كفة قرارهم ، ولا إعتبار أن يكون ذلك بحربٍ طاحنة ، أو سلاحٍ تدفع مقابله أغلي أنواع الفواتير .
وبلادنا التي نريد لها أن تنافس في مضمار الرقي والتطور ، تحتاج منا لتقديم الأفضل علماً ، والمفضل وسيلة ، والأنجع أداة ، والأنجح برنامجاً ، وبغير ذلك فإن النطيحة إذا وليت والموقوذة إذا تقدمت ، فلا يجدي عندئذ تاريخ مشرق ، ولا مؤهل أصبح بغير تقدير ولا تفضيل ، والكل بعد ذلك سيصبح في كف عفريت .
والقائد الفذ ، والذي يتقدم بالإمساك بمقود القيادة ، لا تصطفيه قاعدته بمزاج شاطح ، ولا بمقياس دون المستوي ، وإنما تسقط علي سيرته المعايير المنضبطة ، وتجري المقارنات بينه ، وبين أندائه ، ومن يناسبون قدراته في مثل هذا السباق ، ثم يجري الإختيار بإعمال قاعدة الأفضل والمفضول ، وعند ذاك تظهر نتائج الإختيار موفقة ، ويغدو النجاح مأمولاً ، والأهداف محتملة التحقق في القريب العاجل ، وليس البعيد المستحيل .
وإصلاح الحال والأحوال ، في كل ميادين المعرفة الإنسانية ، والصناعات المتطورة ، والخدمات الراقية ، وحتي في مجال الحرف ، والأعمال اليدوية لا تجني ثمراته الجنية ، إلا بعارفين وماهرين ، أولئك الذين شربوا من معينٍ يحتوي علي عصارات أصيلة ، وإرتكزوا علي قواعد ذات أصول مكينة ، وجذور ضاربة في أعماق المعارف ، والتجارب ، والخبرات.
وصيغة الأفضل والمفضول ، هي من أعظم الصيغ التي إتبعها فقهاء الأمة ، وبناة المجتمعات ، وتأسيس الدول ذات الحكم الرشيد ، والأحكام القائمة علي المعرفة ، وهي التي تمكن الفقية العالم من إستنباط الأحكام .
ولا يتم الإصلاح إلا بالمنهج الذي ينشأ عليه السلوك رشداً وحكمة ، وإختياراً للأفضل خاصة عندما تغيب الرؤيا ، وتصارع سفينة المجتمع والدولة رياحٌ عاتية من كل الإتجاهات .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.