نار ونور – من أجل السلام بكل تداوينا

ربيع عبدالعاطي

د. ربيع عبدالعاطي عبيد
* يظل السلام غاية سامية وهدفاً إستراتيجياً للمجتمع السودانى برمته ، وبه ووسط أجوائه يعيش المواطنون آمنين على آرواحهم ، ومطمئنين على ممتلكاتهم ، ومؤملين أملاً مليئاً بالتفاؤل نحو مستقبل مشرق ، وحياة للأجيال لا يكدر صفوها نزاع ، أو تنفجر فيها حرب ، لتأكل الأخضر واليابس ، كما فعلت ذلك فى أيام وسنوات لنا سابقات.
* ويحسب السياسيون بأن السلام ، بالإمكان تحققه بإتفاقيات سياسية ، ووساطات دولية ، أو إقليمية ، أو بإستجداء حملة السلاح ، وإشباع نهمهم بمنحهم مواقع وزارية ، وسلطات مالية ، وخزائن مليئة بالذهب والفضة ، ولكن كل ذلك ليس هو الذى يأتى بالسلام ، لأنه قيمة إجتماعية ، وإنسانية تعلو فوق السياسة ، ولا تهزّ قواعدها الرياح العابرة ، أو المعادلات الطارئة ، التى يظنها البعض بأنها هى التى تغلق ملفات الحرب وتفتح آفاق للسلام .
* والسلام لا يمكن النظر إليه بأنه وصفة علاجية يجلس لها المفكرون ، ويصدرونها فى شكل نشرة ، بمثل ما تباع العقاقير فى الصيدليات ، ولو كانت كذلك لسهل تناولها ، فأرُسي السلام ، ووضعت الحرب أوزارها ، وإنتفى الخصام الذى أودى بالأرواح ، وأهلك الحرث ، والنسل فى مناح كثيرة من أجزاء بلادنا ، وأطرافها .
* وبالنظر إلى المسيرة السلمية منذ بدايات الأعوام التسعين من القرن المنصرم ، فإن الإنقاذ قد إستهلت قيادتها لهذا البلد بعقد مؤتمر الحوار من أجل السلام ، وخلصت منه إلى جملة من التوصيات التى قادت نحو جولات وإتفاقيات كلها كانت تستهدف إقرار السلام ، غير أن ذلك الهدف لم يتحقق إلا بجزء يسير ، وتلك هى الأهداف المبدئية التى لا ينالها المرء بضربة لازب ، لكنها تعتمد على مدى الإيمان بعقيدة السعى المتواصل الذى لا يوقف صاحبه عند محطة ، ولا يستبد به القلق ، فيترك هذا الطريق إلى طريق آخر ، فترتبك عليه الأولويات ، وتضيع عليه المكتسبات ، التى فرط فى الحفاظ عليها إلى أن أصبحت فى مهب الريح الذى أطاح بها ، وأوصلها إلى مكان سحيق .
* والسلام ليس خطة توضع لها برامج تفصيلية ، بقدر ما هو إرادة ، وأهداف سامية ، وعناصر إيمانية ، وسلوك يبتعد عن إيغار الصدور ، وإستخدامات أساليب العنف ، وإقرار العدالة ، وإزالة الظلم ، وإحترام هيبة الدولة ، وحراسة المجتمع بالقوة والأمانة ، وإرسال رسالة واضحة لتستقر فى خُلد وضمير الأمة تعبر معانيها عن التسامح ، والتكافل ، وقضاء حاجة المحتاجين ، وتحقيق الرضى القائم على إنزال النّاس منازلهم مع التركيز على قضايا الإطعام من الجوع ، والأمن من الخوف ، وتحصين المجتمع من تدخلات الغرباء ، وعدم الإنصياع لأجندتهم المستهدفة لإيقاع الفتنة ، والعصف بكيان المجتمع ليفقد وحدته ، وإعتصامه بالحبل الواحد توكلاً على الله بعيداً عن إغراءات الذين لا يجلب التواكل عليهم إلا خيبة الأمل ، ومرارة الفشل ، وألم الحرمان .
* ومؤتمر الحوار الذى ضربت له المواعيد فى العاشر من أكتوبر القادم ، تبقى أهم محاوره هى كيفية إرساء السلام بإتفاق مجتمعي ، بحسبان أن المجتمع هو الذى يحدد كيف يكون الحكم ، وكيف توزع الثروة ، وما هى موجبات الوحدة ومطلوبات الوطنية ، وكيف تحرس قوى المجتمع قيمة السلام ، ليرضى المواطن عن الذى كتب له من نصيب عادل ، وتزرع الأرض التى عانت من الهجران ، وتعود الأسر التى هددتها الحرب ، وآلمها الحرمان ، ويتم تداول السلطة بقاعدة سلسة ، لا عنف فيها ، ولا مخاشنة ، بل تبادل وتنافس ، يقوم على الرأى ، والرأى الآخر ، ويوضع السلاح لأنه وسيلة للدمار والخراب ، ولا يأتى بخير ، وإنما هو الذى يقود نحو سفك الدماء ، وبعثرة الأسر ، وفقدان الأب والأخ ، وضياع الأطفال ليعانوا تشرداً ، والأمهات ثكلاً ، وترملاً.
* والسلام بكل إيجاز وإختصار ليس شعاراً ، ولا خطة يضعها الإفلاطونيون ، أو المفكرون ، مهما تفتقت عقولهم ، ولكن هو الصيغة التى بها توزن معادلات المجتمع والسياسة والإقتصاد والثقافة ، وغيرها من شئون تخص عالم الناس والحياة والأحياء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.