نار ونور – الحوار تمرين صعب وكلنا معنيون بالتدريب عليه

ربيع عبدالعاطي

د. ربيع عبدالعاطي عبيد
لقد أتاحت الوسائط الإعلامية الحديثة مساحة واسعة لتبادل الآراء ، والكشف عن وجهات النظر المختلفة ، وتحولت هذه الحركة للرأي الآخر في شكل منتديات وملتقيات ، أسفرت عنها نتائج توضح من هو الذى يحمل رأياً قابلاً للبحث ، ومن هو الذى ما يزال متخلفاً بتوزيع الأحكام حسب مزاجه ، والاتهامات يمنة ويسرة بعيداً عن أسس الحوار الموضوعية ، والقواعد التى توجب من الآخر حسن الاستماع ، وإبداء الرأي المتصف بالذوق الرفيع ، والعبارات المؤدبة لفظاً ومعنىً دون خدش ، أو مراعاة للحياء .
وبنفس القدر الذي أتيح للمجموعات السياسية بأن تناقش قضايا الساحة المتشابكة ، فقد منحت الفرصة كذلك لمؤسسات المجتمع ونخبه أن تساهم في تطوير حركة الحوار ومنهجه ، وإن كنت لا أرى بأن إسهام المجتمع بشرائحه قد وصل إلى ما هو مطلوب .
ومما يسوؤنا جميعاً ، أن نرى مسئولين على قمة أجهزتنا التنفيذية ليست لديهم أدنى قدرة على الأخذ والرد ، وقبول الأخر ، فهناك مؤسسة مشهورة وتعتمد عليها الدولة ، ويتقاطر نحوها المواطنون لأداء الخدمة ، لكن للأسف الذين وظفتهم الدولة بتلك المؤسسة لا يهبون أقل زمنٍ من زمنهم لمقابلة المواطنين ، وليس لديهم أى استعداد معرفي ، أو قدرة للتفاهم والإقناع ، وبدلاً عن ذلك ، فهم يتكبرون على المواطن ، بينما هم يتمتعون بخبره ، ويمتطون السيارات التي دفعها الشعب في شكل ضرائب وجمارك ورسوم وعوائد ، وهؤلاء يحتاجون من الدولة لتدريبهم على أسس التعامل مع المواطنين ، وعلى موجبات القدرة على التحاور ، والأخذ والرد ، والإقناع ، والاقتناع ، ذلك لأن الإدارة في أصولها ، وخاصة بالمؤسسات العامة ، وكذلك الخاصة لا تدار بمعزل عن منهج طرحته الدولة في التعامل مع شعبها وشرائحه السياسية والاجتماعية .
والأولى للدولة قبل أن تسند مهمة ذات مستوى عالٍ ، أو متوسط لرجلٍ أن تنظر في كفاءته العلمية ، بالتوازى مع كفاءته ، وبساطته ، وتواضعه ، عند ما يتعامل مع الذين يطرقون مكتباً عاماً أسسته الدولة ليصبح مفتوحاً وليس مجنزراً بالسلاسل ، وكلمات السر التى أتاحتها حركة تطوير النظم والبرمجيات.
ويعتقد البعض بأن الحوار عبارة عن جدلٍ عقيم ، أو مغالطة بحيث يتسمر كل طرف فى موقعه ، ولكن هذا الاعتقاد هو اعتقاد خاطئ من كل جوانبه خاصة إذا لم تكن هناك إرادة لدى الأطراف وسعة صدرٍ للاحتمال ، وإمكانية للتنازل درجة ، أو على الأقل المزج بين هذا الرأي وذاك الرأي ، فيما تفضّل به الآخرون من آراء .
ونأمل أن يكون هذا المؤتمر الذى شهدته قاعة الصداقة ، وتم حضوره بفيض غفيرٍ من الشخصيات المتنوعة في أفكارها والغنية بخبراتها ، والمهتمة بالشأن العام قبل الخاص أن تمثل تلك السانحة إنطلاقا لحركة جديدة في مجتمعنا السودانى تشمل كل مسؤول ووزير ووالٍ ومدير وغيرهم من الذين تبوأوا مناصب عليا ، لإدارة الشأن الذي أسند إليهم بناء على مخرجات حوارٍ بينهم بين الذين يرأسونهم ، أو الذين يقدمون لهم الخدمات كما ينص على ذلك الدستور والقانون الساري الذي يمتنع تفسيره بمزاج مفرد ، أو لائحة صممت للقبض والإمساك بيدٍ واحدة تضرب بقواعد الحوار على أرض الواقع بمعزل عن الذي تبنته الدولة من أسسٍ توجب اتباع إجراءات والوصول لمخرجات عن طريق التداول والتبادل .
والحوار الذي نستهدف ثمراته ينبغي أن يتحول إلى عقيدة ثقافية ، وخطة استراتيجية تنفذ محاورها ، ويتولى تعميق رسالتها الآتي ذكرهم :-
الولاة والوزراء
المديرون للمؤسسات والوحدات الحكومية
القيادات السياسية والاجتماعية والبرلمانيون
الرموز الثقافية
المفكرون وخطباء المساجد
وزارات التوجيه والإرشاد والإعلام
المؤسسات التشريعية
القيادات النسوية والطلابية والشبابية
النقابات العمالية
منظمات المجمتع المدني
العلماء والخبراء وأساتذة الجامعات
مراكز البحث العلمي والدراسات
وعندما تشيع تلك الجهات التي هي على سبيل الحصر ثقافة الحوار تكون النتيجة النهائية بأن يصبح لدينا مواطن صالح ومدون ، أو كاتب ، وفي أي وسيط من الوسائط حتى ولو كانت الأسافير التي ليس عليها رقيب ، أو حسيب يضطلع بدور إيجابي بالعبارة المؤدبة والمهذبة وليس كالذي نطلع عليه حالياً من بذاءات يعف عن ذكرها القلم واللسان .
ولا نحصل على هذه النتيجة إلا إذا تعمقت لدينا ثقافة الحوار واحتملنا صعوبة التمرين عليه والترويض .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.