رؤى وأفكار – روايات خاصة : تلك اللحظة

ابراهيم الصديق - رؤى وافكار

د. ابراهيم الصديق علي
«1»
فجأة «يصفق» صديقنا «الهادي» بكلتا يديه ويصيح «حفا» ، اي وا اسفاي ، عبارة شديدة التوجع ، كلما تراءت له تلك المشاهد من حياته ، حين اطلت في لحظة وتبدل كل شيء ، دون ان يدري من اين نالته السهام ، واتذكره كلما تنساب عبر الاثير روائع المبدع هاشم صديق :
حاجة فيك
تقطع نفس خيل القصائد
تشده أجراس المعابد
توهتني .. جننتني
جننت حرف الكلام
وبرضو أدتني السلام
حاجة في شُرف المدائن
وفي غرف كل السفائن
جوّة في عمق المناجم .. والعيون
حاجة زي ماتكون
محلـّق في العواصف
فجأة .. تهبط في السكون
حاجة زي نقر الأصابع
لمـّا ترتاح .. لي الموسيقي
لحظة «تنقر» في الدواخل دون استئذان تقلب كل الموازين ، تخترق حجب المشاعر والحواس ، وكل اسباب التمنع ، وان كانت اللحظة المدهشة عند استاذنا فضل الله محمد دراما ملحمية ، بين التشويق ، والرهبة ، والخيال ، لحظة تعبر بك مساحة زمن ، تهييء مشاعرك ، وتنفجر في وجهك:
أي حاجة تمر بخاطركْ
قصة أو أخبار جديدةْ
عندي ليك خبر أهمْ
جايبه بي أشواق شديدةْ
أسمعي وطاوعيني مرّة
أيوه، ما تخليك عنيدهْ
عايز أقول لكْ
ليه أقول لكْ
ما بقولكْ
مش مخير
ساعة مرت ساعة واكتر
والوقت روّح تأخر
زي عنادك عايز اعاند
لكن يظهر ما ح اقدر
امري لله كنت عايز اقول
بحبك يا وحيدة
وليالي شاعرنا الطاهر بابكر لحظاته مشحونة بالحزن ، قصة تجاذب العزم والمكابرة ، ومحاولة التجاسر على الجراح:
ﻓﻲ ﺍﻟﻠﻴﻠﺔ ﺩﻳﻚ ﻻﻫﺎﻥ ﻋﻠﻲ
ﺃﺭﺿﻰ ﻭﺃﺳﺎﻣﺤﻚ
ﻭﻻ ﻫﺎﻥ ﺃﻋﺘﺐ ﻋﻠﻴﻚ
ﺷﻠﺖ ﺍﻟﺠﺮﺍﺡ ﻭﺍﻻﺑﺘﺴﺎﻣﺔ
ﻭﻛﻞ ﺣﺮﻣﺎﻥ ﺍﻟﻴﺘﺎﻣﻰ
ﺟﻴﺖ ﺃﻫﻨﻴﻜ ﻭﺃﺻﺎﻓﺤﻚ
ﺟﻴﺖ ﺃﻗﻮﻝ ﻣﺒﺮﻭﻙ ﻋﻠﻴﻚ
ﻭﻣﺪﻳﺖ ﻳﻤﻴﻨﻲ ﺑﻼ
ﻛﻼﻡ ﻣﺎ ﻗﺪﺭﺕ ﻗﺪﺍﻣﻚ ﺃﻗﻴﻒ
ﻭﺭﺟﻌﺖ ﺣﺎﺑﺲ ادمعى
والذكرى التي انتابت شاعرنا الصادق ود آمنة ، صادرت عقله وهو يقول :
اكبر لي رغيبة الفجر وهي توازي لي
واتدهور واسج الحمدو ماتمشي لي
وكت المولى فكه على ام شديده وكيلي
كيفي ضمانه في ضراع الكزازي زميلي
وربما لم يفطن الحردلو في قصة المطيرق لقول شاعرنا الفيتوري في واحدة من اجمل قصائد العربية «ياقوت العرش»:
دنيا لا يملكُها من يملكُها
أغني أهليها سادتُها الفقراءْ
الخاسرُ من لم يأخذ منها
ما تعطيه على استحياء
والغافل من ظنَّ الأشياءَ
هي الأشياء
فلم يقطف شيخ العرب تلك الليلة ، وسرقته عينه في النوم ، ووجد ان صاحب الموعد جاء واخذ «المطيرق « ، عصاه الصغير وذهب :
ســرفــة عـيــنـي داك الـلــيـــله مــاهــا مريه
أصـبـــح حـــالتي مـثــــل الــدخــلـو الظبطيه
أتــرجــــــاك يـــــا ابــو الـــتــــايــه اول سيئه
مـا اتــواخــد اكـون فـي حـالـة غـيـر مرضية
وظل «يلوك « مرارة الحزن لضياع اللحظة:
ذكــرتـي بـالـبــنـــات لا عــن مـصوع فاحت
ضــايـــق غـلــبــهـــن مـن شـيـنـــتــن بتاحت
جــدع ودعــتـن بــالـلــيــم عـلــي مـا طـاحت
هـبـــرت كـفــتـي وعـقـب الـمـطـيـرق راحت
واللحظات النادرة تلك بكاها بشار في برد :
بشار بن برد
قد زرتِنا مرَّة ً في الدّهر واحدة ً
عُودِي ولاتَجْعَلِيها بيضَة َ الدِّيكِ
يا رحمة الله حلِّي في منازلنا
حسبي برائحة ِ الفردوس من فيكِ
«2»
ويصور الوليد بن يزيد ببراعة كيفية حوار لحظات الوداع الودودة تلك ، وهي تدرك ان المغزى ، والدلالات :
ثُمَّ اسْتَبَدَّتْ وقالَتْ وهْـيَ عالِمَـة بِمَا تَقُولُ وشَمْـسُ الرَّاحِ لَمْ تَفِـلِ
لاَ تَرْحَلَنَّ فَمَا أَبْقَيْـتَ مِنْ جَلَـدِي مَا أَستَطِيـعُ بِـهِ تَودِيـعَ مُرْتَحِـلِ
وَلاَ مِنَ النَّومِ مَا أَلقَـى الخَيَـالَ بِـهِ وَلاَ مِنَ الدَّمْعِ مَا أَبْكِـي عَلَى الطَّلَـلِ
ومرارة الرحيل في وجدان جميل بثينة ، ذات ضجيج ، وعينه تلمح تلك الجموع تبتعد :
تنادي آلُ بثنة َ بالرّواحِ وقد تَرَكوا فؤادَكَ غيرَ صاحِ
فيا لكَ منظراً، ومسيرَ ركبٍ شَجاني حينَ أبعدَ في الفَيَاحِ
ويا لكَ خلة ً ظفرتْ بعقلي كما ظَفِرَ المُقامِرُ بالقِداحِ
أُريدُ صَلاحَها، وتُريدُ قتلي، وشَتّى بينَ قتلي والصّلاحِ
ويصور الحردلو اللحظة ، بمحيطها وبيئتها ويوثق لها :
الشم خوخت بردن ليالي الحرة
والبراق برق من منه جاب القرة
شوف عيني الصقير بي جناحه كفت الفرة
تلقاها أم خدود الليلة مرقت برة
ان مفردات شاعرنا اسماعيل حسن ، دائما دقيقة ورقيقة ، تمس عصب الاحساس ، والتصوير عنده شديدة الارتباط بالحياة وتفاصيلها :
اشتقت ليك ساعة المساء فرد الجناح ولملم مصابيح النهار
والـكــون شــــرب لــــون الــجــراح والـعـتـمـة نــامــت
فــــي الـــــدروب والـلــيــل لــبـــس أجــمـــل وشـــــاح
فــــي الـلـحـظـة اشـتــقــت لــيـــك واحـتــجــت لــيـــك
في اللحظة والناس بتسأل عن بلاد اصلو مامعروفة ويـن
ياقلبـي لــي زول بيـئـن حـاضـن الأســى عـبـر السنـيـن
فـي اللحظـة ديـك اشتقـت ليـك شـوق السحـابـة الراحلة
في جوف الشتاء عطشانـة تحلـم بالخريـف بقيـت ضعيـف
فـــي اللـحـظـة ديـــك مــديــت مـعـابــر شــوقــي لــيــك
وحـــنــــيــــن حــنـــيـــنـــي الـــطــــاغــــي لـــــيـــك
كـــــايــــــس مـــجــــيــــك ودايــــــــــــر يــــجــــيــك
فـــي اللـحـظـة ديــك اشـتـقـت لـيـك واحـتـجـت لـيـك

اللهم ، اجعل لحظاتنا دائماً ، طيبة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.