قصاصات – من حكايات البيوت

آمنة الفضل

آمنة الفضل
دلفت إلى بيتها ، بينما كنت في طريقي إلى بيت آخر بالقرب منه ، لم أتوقع وجودها في تلك الساعة من النهار ، فهي قد عودتنا على انها ساعة العمل ، التي تجني فيها نقودا أكثر بقليل عن باقي ساعات اليوم ، هي تعمل بائعة بسيطة تحت ظل أحد الجدران الاسمنتية ، محتمية بخيمة لا تستطيع حجب أشعة الشمس ، بقدر حجبها الغبار الذي يتطاير إليها من أقدام المارة ، تبادلنا التحايا واخبرتني انها تشعر ببعض الإجهاد ، لذلك لم تستطع الخروج من منزلها المتواضع جدا ، فهو عبارة عن غرفة من الزنك غير المتجانس وسور من أنصاف طوب قديم وقطعة من الزنك مملوءة بالثقوب ، كان الحديث يدور حول ابنائها وأنه لن يهدأ لها بال حتى يبلغوا أعلى الدرجات التعليمية ، انا كنت استمع إليها باهتمام مأخوذة بعزيمتها وطموحها رغم بساطة الحياة التي تعيشها ، صمتت للحظة أخبرتني بعدها أنها كم يحزنها عدم مقدرتها على توفير الكهرباء، حتى يستطيع ابناؤها القراءة في ساعات الليل الأولى كحال كل طلاب المدارس، وجاء سؤالي لها عفويا وسريعا ولم لا ؟ يمكنك أن تطلبي من جارتك ذلك ، فهي الأقرب اليك ،رسمت على ملامحها ابتسامة طفيفة ثم قالت بنبرة حزينه:
طلبت أكثر من مرة حتى أنني عرضت عليها المال مقابل مصباح واحد تشعله ساعتين فقط تعلقه على الجدار الذي يفصلنا ،وتغلقه متى شاءت ، لكنها رفضت متعللة ببعض الأسباب ، لذا يقرأ أطفالي بالشموع ليلا ، وقبل أن أخرج من حيرتي لما سمعت ، جاء صوت ابنتها ذات العشرة أعوام، تخبرها بأنها جمعت فتات الخبز ، المتبقي من طعامهم لحمائم الخالة مقبولة ، سألتها :
مقبولة منو ؟ فأخبرتني انها ذات الجارة التي رفضت أن تعطيهم بصيصاً من نور ، رغم مقدرتها على فعل ذلك ، فليس للحمائم التى تملكها ذنب ، هكذا عللت عطاءها ، ثم همست مبتسمة العطاء ليس حكرا على الأغنياء فقط …
قصاصة أخيرة
العطاء جزء من الذات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.