نار ونور – المشاعر الحقيقية بين المظهر والجوهر

ربيع عبدالعاطي

د.ربيع عبدالعاطى عبيد
* هناك فرق كالذى بين السماء والأرض ، تعبرّ عنه الكلمات ، وتكشف عنه الأفعال ، ويتصل هذا المعنى فى أغلب الأحوال عندما يقول قائل قولاً فيه بعض سمات الحق ، ولكنه لا يقصد به أن يجري العدل مجراه ، أو يزال الظلم عن شخص عانى من الشنأن ، وأضطهد بالإفتئات ، وذاق مختلف صنوف العذاب والحرمان ، ومثل هذا فإنه يستهدف تحقيق أهداف رخيصة ، ومبتغيات دنيئة ، وهو شخص يعاني من سوء الدواخل ، وفساد الطوية ، وخبث المساعي.

* أما الذين يصدعون بالحق المجرد ، وينادون بإرساء العدالة للكافة دون إستثناء ، فهم لا يكتفون بشكلٍ لما ينادون به ، لكنهم أصحاب جوهرٍ نقىٍ ، وباطن تحيط به الطهارة ، وتدفع به المصداقية ، بإلتقاء الظاهر مع الباطن ، وإتصال الشكل بالمضمون ، ورحم الله أجدادنا الذين كانوا بصفة النقاء يتحدثون ، وبخصائص التجرد يفعلون ، وبمنطق النصيحة تخرج الكلمة من أفواههم ، وبناء على تلك السجايا والمثل ، إستطاعوا أن يصلحوا ذات البين بين كثير من المتخاصمين ، ويعيدوا العافية إلى من تأثروا فى صحة أجسامهم بفعل غبنٍ أصابهم ، أو ظلمٍ حاق بهم .

* أما فى مجتمعنا المعاصر ، فإن توجهات السياسة ، وطموحات الشخص سواء كانت مشروعة ، أو غير مشروعة ، فهى قد أحدثت شرخاً عميقاُ فى جسد المجتمع ، فلا تواصل بين النّاس إلا لمصلحة عاجلة ، ولا زيارة لمريض إلا إذا كان من أهل الحظوة ، أو من بيدهم طرف من سلطة قابضة ، أو مركزٍ إجتماعى حازوا عليه بموجب معادلات وموازنات .

* وحتى لا نرمي الكل بهذا الداء ، فإن الإستثناء فى هذه الأحوال يظل واجباً من الواجبات ، فلقد رأيت بأم عيني أمام أحد المستشفيات المعروفة أناساً يفترشون الثرى ، منهم النساء والرجال ، وذلك لأن لديهم مريضاً قد أجريت له عملية فى غاية الخطورة ، وهؤلاء الذين جلست معهم وتبادلت أطراف الحديث وشئون الحياة وشجونها ذكروا لي بأنهم على هذه الحالة منذ أكثر من شهر من الزمان ، يأكلون فى ذات المكان ، ويؤدون الصلاة فيه ، وينامون ليلهم على الرصيف ، ذلك لأن المريض بالرغم من أنه وزيرٌ فى وزارة ، لكنهم لم يبقوا فى هذا الوضع بسبب وزارته ، أو لكونه يشغل مركزاً مرموقاً ، ولكن لأن قيمته فى قلوبهم عظيمة ، وصلته بهم هى صلة وشائج رحمية ، وأخوة يغذيها الدم الذى ينبض فى الأوردة والشرايين .

* وبالمقابل رأيت أخرين عندما فُتح المستشفى للزيارة ، يلبسون ملابساً فى غاية الروعة والجمالٍ ، منهم الرجال أصحاب العمائم المطرزة ، والشالات المزركشة ، كما أن منهم بعض النساء اللائي تظهر عليهن وعلى محياهن آثار النعمة والأبهة ، وكل هؤلاء قد صعدوا بالمصعد لزيارة المريض الذى يجلس أهلوه أياماً وليالٍ وفقاً لما ذكرت فى وضع يدعو للرثاء .

* وياليت الذين رأيتهم قد ألقوا التحية على أهل المريض الذين ظل الألم يفري كبادهم من فرط ما يعانيه مريضهم ، وهؤلاء الذين زاروا المريض من ذوي الجلاليب البيضاء ، والحلل البهية ، لم يبقوا لحظات مع المريض ، وهنا الدلالة واضحة ، بأن هذه الزيارة لم تسجل لذاتها ، أو إستهدافاً لمعانيها ذات العلاقة بمضامين عقيدتنا لزيارة المريض ، لكنها زيارة ذات شكل ، ومعزولة تماماً مما أصّل له ديننا فى مثل تلك الزيارات .

* إنها زيارة تشبه ما تجرى عليه خطوات البرتكول عسى أن يتعافى هذا الذى زاروه ، فيمنحهم مما يملك ، أو يصدر لهم قراراً يجنون من ورائه فائدة .

* أما أولئك الذين يفترشون الثرى ، فهم يفعلون ذلك إستجابة لما تفرضه عليهم المشاعر الصادقة ، وصلات الرحم التى لا يمكن مقابلة إستحقاقها بثمن من الأثمان .

* ويا سبحان الله ، هنا يظهر الفرق بين الشكل الزائف للحقيقة ، وجوهرها الذى لا يتبدل ، أو يتغير ، عندما تبقى الأصالة عنصراً ثابتاً فى دواخل من يعتبر نفسه إنه إنسان ، كما أن الفرق ظاهرٌ بين البضاعة الأصلية ، وتلك المزيفة والمزجاة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.